والقادم أعظم

| محمد نادر العمري

حتى اليوم مازالت تداعيات إسقاط الطائرة الإسرائيلية إف16 تتسارع بإفراز آثارها ضمن الاصطفافات الإقليمية وطبيعة المواقف ضمن اشتباك القوى المتصارعة والمتدخلة في الأزمة السورية، ولاسيما داخل الكيان الإسرائيلي الذي عكست وسائل إعلامه المحلية وخاصة المقربة من حكومة نتنياهو حالة الصدمة والإرباك الذي أصاب هرم قياداتها السياسية والعسكرية.
بالمجمل يمكن القول إن التقدير النهائي الذي ساد تل أبيب منذ فجر يوم السبت الذي وصف «بالأسود المرير والحزين» نتيجة سقوط قمة التاج لسلاح الجو الإسرائيلي الذي كان يتباهى سابقاً بأنه يتربع على عرش هذه القوة على المستوى الإقليمي، هو سقوط هذا الوهم ضمن المعطى الذي فرضته الدفاعات الجوية السورية على طاولة الخيارات الصهيونية بعد تيقن الطرف الإسرائيلي بأن الصراع مع محور المقاومة دخل منعطفاً ليس في مصلحته، وقد عجز عن استنزافه أو إيقاف تراكمات قدراته الدفاعية والهجومية التي أصبحت اليوم أمراً «واقعياً».
هذا التحول الذي شهدته معركة من المعارك الدائرة بين محور المقاومة والكيان الصهيوني، عبرت عن تصميمين متناقضين أو موقفين متضاربين في فضاء هذا الصراع، الأول تصميم محور المقاومة على تغيير قواعد الاشتباك وإيجاد توازن رعب يتعدى الردع بما يملكه من عناصر مفاجئة في قدراته الدفاعية والهجومية، في مقابل التصميم الإسرائيلي الذي يرفض التسليم بواقع يفرضه محور المقاومة من انتصار على الإرهاب وتداخل الجبهات وتوحيد قرار المواجهة، فإستراتيجية اتخاذ قرار التصدي للاعتداءات الإسرائيلية جاء بشكل مركزي من القيادة السورية وبالتنسيق مع مراكز القرار للدول الداعمة لدمشق وهذا بات من المسلمات، استناداً «لما تضمنه بيان الحلفاء» الذي توعد «برد قاس وجاد» وعدم السكوت عن أي اعتداء وتحت أي ذريعة، وهذا لم تعه إسرائيل سابقاً وفق تعبير صحيفة «هآرتس» التي عنونت «في معركة الوعي إسرائيل في مرتبة متدنية».
أما الصدمة الثانية التي تلقاها كيان الاحتلال تكمن في التكتيك الزمني الذي اختاره محور المقاومة، وهذا التوقيت مرتبط بالكباش السياسي والتصعيد الميداني الذي لوحظ في الآونة الأخيرة على مستوى المنطقة بشكل عام وضمن إطار جغرافية الأزمة السورية بشكل خاص، لإيصال مروحة من الرسائل وتحقيق أهداف متعددة تكمن في:
1. إثبات الثقة التي راكمها أطراف محور المقاومة بعد جملة من الانتصارات العسكرية التي تحققت على الساحتين السورية والعراقية، وتوحيد الاصطفاف الشعبي في مواجهة الدول الأصيلة على سورية.
2. توجيه صفعة موجعة ومسبقة لزيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون للمنطقة، وما تحمله من نيات إسرائيلية مبطنة في توظيف معظم ملفات وجوانب هذه الزيارة لترويج مزاعمها حول توسع النفوذ الإيراني في المنطقة وبناء قواعد جوية وبحرية لها في سورية وبناء مصانع صاروخية ضخمة في لبنان.
3. قرار التصدي المتخذ «مسبقاً» للاعتداء الإسرائيلي لا يقتصر فقط على تغير قواعد الاشتباك في المنطقة مع إسرائيل، بل هذه الرسائل لها اتجاهات أخرى سواء للقواعد الأميركية في الشمال السوري وما تخطط له من إنشاء كيان كردي منفصل في إطار إستراتيجيتها لتقسيم سورية، أم لتطويق العدوان التركي في عفرين والحد منه، وما يعزز قوة هذه الرسائل هو قرار الحكومة في دمشق بنشر منظومة دفاع صاروخي في الشمال السوري.
إن قرار القيادة السورية في التصدي للاعتداءات الإسرائيلية سيؤثر حتماً على تداعيات السلوك الإسرائيلي في صراعه مع محور المقاومة، «وهذا بدا جليا» بداية الأمر بإسقاط طائرة إسرائيلية متقدمة بمضاد صواريخ يعتبر وفق العلم العسكري بأنه تقليدي أو يمثل الجيل المتوسط، قد أدخلت سورية عليه بعض التعديلات، وقد وصل أحد صواريخه لمنتصف جغرافية الأراضي المحتلة، الأمر الذي قد يفرض حظر طيران على مطارات الجيش الإسرائيلي ويغلق السماء أمام أسرابها في أي حرب مقبلة ومن أي جبهة من جبهات المقاومة التي لن تتوانى عن استخدام عناصر المفاجأة «بحرياً وبرياً وجوياً» بما راكمته على مدى سنوات استعداداً لأي معركة مصيرية ترتبط بمقاربة «أكون أو لا أكون».

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!