ماتيس يندد بأكاذيب إدارته

| تيري ميسان

كان ينبغي أن يتصدر هذا الخبر عناوين الصفحات الأولى في جميع صحف الغرب. لكن لم تنفرد بنشره سوى مجلة «نيوزويك».
قال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس في مؤتمر صحفي عقده في 8 شباط الجاري بالحرف، إنه «لم يكن لدى وكالة الاستخبارات العسكرية، ولا أي شخص في البنتاغون أي دليل يدعم فكرة أن سورية استخدمت، يوماً ما، أسلحة كيميائية».
كان ماتيس يقصد تحديداً نفي الادعاءات الإسرائيلية بأن قصفها لمركز البحوث العسكرية في جمرايا، كان يهدف إلى تدمير البرنامج الكيميائي السوري، هذا فضلاً عن عواقب أخرى ستتمخض عنها تلك التصريحات لاحقاً.
في بداية الحرب، طلبت الجمهورية العربية السورية من الأمم المتحدة المجيء إلى سورية، والتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية من الجهاديين. فلم يجد المفتشون شيئاً مقنعا. لكن الدول التي كانت تدعم مشروع الإخوان المسلمين، تمكنت من قلب هذا الاتهام بالعكس، حين زعمت في شهر آب 2013، أن الجيش العربي السوري قد ارتكب مجزرة راح ضحيتها ما يقرب من 1500 مدني في الغوطة باستخدام خليط من الغازات السامة، من ضمنها غاز السارين.
ولإثبات حسن نية سورية، اقترحت روسيا ضم حليفتها إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. وقد دمرت موسكو وواشنطن معاً كل الأسلحة الكيميائية السورية، وكذلك السلائف الكيميائية، أي العناصر الجوهرية التي تسمح بصنع هذه الأسلحة.
غير أن التهمة باستخدام هذه الأسلحة لم تتوقف. وظل البنتاغون الذي أشرف بنفسه على تدمير هذه الأسلحة، يزعم بإصرار أن الجيش العربي السوري لا يزال يستخدمها. ولإغلاق هذا النقاش، تم إنشاء آلية تحقيق مشتركة من الأمم المتحدة، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وبعد القيام بعملية واسعة في جمع المعلومات، رفضت اللجنة الذهاب للتحقق من معلوماتها في الميدان، بل حتى أخذ العينات.
كانت النبرات تتعالى في مجلس الأمن، حيث لاحظ جميع الحاضرين تأثير جيفري فيلتمان، الرجل الثاني في المنظمة، على السفيرة الأميركية نيكي هالي. وانتهى الأمر بتسجيل خامس فيتو روسي على الأكاذيب الغربية في هذا الموضوع بالذات.
كانت الولايات المتحدة تؤكد بشكل قاطع، إبان قضية خان شيخون، امتلاكها أدلة على المسؤولية السورية – الأدلة التي لم توجد أبداً وفقاً للجنرال ماتيس- لكن تم بموجبها معاقبة سورية، بقصف قاعدة الشعيرات الجوية.
اعترف وزير الدفاع روبرت ماكنمارا بأن الولايات المتحدة كذبت، في منتصف القرن الماضي، لكي تطلق حربها على الفيتناميين. كما اعترف خلفه كولن باول بالكذب في مجلس الأمن لكي تشن بلاده الحرب على العراق عام 2003.. إلخ.
لكنهم لم يعترفوا جميعهم بتلك الأفعال، إلا بعد أن غادروا مناصبهم الرسمية، وأغرقوا البلاد بالدماء. ولم يُحاكم أيٌ منهم حتى الآن.
وكما هو الحال في قوانينهم التجارية، يمكن للقادة الأميركيين أن يشهروا إفلاسهم، وألا يدفعوا أي تعويضات لدائنيهم، ثم يبدؤوا فوراً مشاريع جديدة من الصفر، وكأن شيئاً لم يكن.
ولأول مرة، يندد وزير دفاع أميركي لا يزال على رأس عمله، بالأكاذيب الجارية الآن في إدارته.
وبطبيعة الحال، تجاهل موقع وزارة الدفاع الرسمي على الإنترنت نشر أقوال الوزير، تفادياً لفتح حقوق بالمطالبة بتعويضات.
بيد أن تصريحاته كانت سابقة محرجة لزميليه، ريكس تيلرسون، ونيكي هالي، وتحذيرا لوزراء خارجية الـ23 دولة الذين اتهموا سورية مجدداً في 23 كانون الثاني الماضي في باريس، باستخدام الأسلحة الكيميائية, وهؤلاء الوزراء، هم أنفسهم الذين صوًتوا من أجل الديمقراطية في بلاد الشام، بشرط ألا يتمكن الرئيس بشار الأسد من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة!