إيران ومخاطر عملية عفرين

| أنس وهيب الكردي

لم يلن قادة «وحدات حماية الشعب» الكردية في منطقة عفرين أمام مساع إيرانية لإقناعهم بعرض دخول الجيش السوري إلى المنطقة وبالتالي إحباط الخطط التركية تجاهها، وذات الوقت ليست إيران بغافلة عن التداعيات الكبيرة لسقوط عفرين بيد الأتراك وحلفائهم من ميليشيات «الجيش الحر»، سواء على الأمن الإقليمي أم أمنها الخاص.
على الصعيد الإقليمي، يهدد توسع الجيش التركي والميليشيات المتحالفة معه في المزيد من الأراضي في شمالي سورية، باشتباك مع قوات الجيش السوري وحلفائها سواء عاجلاً أم آجلاً، ومما يضاعف أهمية المعركة الجارية في ريف حلب الشمالي أن خسارة مسلحي «وحدات حماية الشعب» الكردية لعفرين، ستفقد الحكومة السورية وطهران حليفاً محتملاً متحمساً في معركة الحد من المد التركي في الشمال السوري، وكانت الحكومة السورية مدعومةً من إيران، وفي ردها على دور أنقرة في تسهيل سيطرة المسلحين على أغلبية مدينة حلب أواسط العام 2012، قد تركت مناطق واسعة من شمالي البلاد تحت إدارة «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي ذي التوجهات المعادية لأنقرة، وقدمت له مختلف أشكال الدعم المادي والعسكري لمواجهة الميليشيات المتحالفة مع تركيا.
بالنسبة لإيران، ستفتح عفرين شهية الأتراك على مزيد من التوسع في المنطقة وستجعلهم يعملون على تنفيذ تهديداتهم حيال جبل سنجار «شنكل» العراقي الذي يسيطر عليه عناصر من «حزب العمال الكردستاني»، ومن البديهي أن طهران ترفض أي تدخل تركي في شؤون العراق، الذي تعتبره بمنزلة حديقتها الخلفية.
تدرك طهران أن للتوسع التركي مخاطر إضافية؛ ففي أي تسوية للأزمة السورية سيكون بند خروج القوات الأجنبية مطروحاً على الطاولة، وإذا ما استمر الوجود العسكري التركي إلى حينه، فسيكون لخروجه مقابل باهظ بالنسبة لإيران، وانسحاب القوات التركية من الأراضي السورية لن يكلفها أكثر من العودة 30 إلى 40 كيلو متراً، أما بالنسبة للآخرين فستكون مسافة الانسحاب أكثر من ألف وخمسمئة كيلو متر، ولأن أنقرة تستغل وجودها العسكري في الشمال من أجل تدريب المزيد من العناصر التابعة لميليشيا «الجيش الحر»، فسيكون لذلك أيضاً تداعياته على شكل التسوية السياسية للأزمة السورية، بحيث ستعمل تركيا على حجز مقعد لهؤلاء يوازي ثقلهم العددي في بنية سورية المستقبل.
ومن أبرز مخاطر التوسع التركي في الشمال السوري، أنه يفتح نوافذ الفرص أمام إسرائيل لمواجهة الحكومة السورية وحلفائها في الجنوب، أي إنه يضعهم جميعاً في مواجهة معادلة أقطابها من الأعداء المتربصين: الأميركيين في الشرق، الأتراك في الشمال، والإسرائيليين في الجنوب، وأمام التفاهم القوي والمتين بين إسرائيل والولايات المتحدة، ستجد السلطات السورية وحلفاؤها أنفسهم، عاجلاً أو آجلا، أمام خيار مر يتمثل في التهدئة مع الأتراك.
لعل أكثر ما يقلق إيران من الدور التركي في شمالي سورية هو أن كلاً من روسيا والولايات المتحدة تبدوان أكثر قبولاً له ومستعدتان للتفاهم مع أنقرة حول مستقبل سورية، بخلاف هواجس في موسكو من مخاطر الدعم المكلف للإستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط، واعتراض واشنطن الصريح على أي دور لإيران ليس فقط في سورية بل في مجمل الهلال الخصيب.
على صعيد أمن إيران نفسه، سيؤدي تفكيك الأتراك لسيطرة «وحدات حماية الشعب» المقربة بشدة حزب العمال الكردستاني على منطقة عفرين، إلى فقدان طهران للصلة مع هذين التنظيمين في سورية، الذين سيصبحان بالكامل خاضعين لتوجهات واشنطن التي تفرض سيطرتها على شمالي وشرقي سورية، وفي ظل السيطرة الأميركية على قسم واسع من شمالي العراق، ستصبح الولايات المتحدة اللاعب الأكبر المتحكم بورقة الأكراد في الشرق الأوسط، ولن تعدم الوسائل للضغط على قادة «العمال الكردستاني» في جبال قنديل، من أجل توجيه كفاحهم ضد إيران.
هذه المخاوف والهواجس هي ما جعلت إيران تتخذ موقفاً فاتراً في العلن، معارضاً في العمق، لعملية عفرين، وهي ما جعلت الإيرانيين مترددين في الموافقة على قمة إسطنبول التي اتفق الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين على عقدها مع نظيرهم الإيراني حسن روحاني، لكن مع اتساع نذر المواجهة مع الولايات المتحدة في الشرق، بعد قصف التحالف الدولي لمجموعة من عناصر الجيش والقوات الشعبية شرقي نهر الفرات بدير الزور، ومع إسرائيل في وسط وجنوبي سورية بعد إسقاط الدفاعات السورية للطائرة الإسرائيلية إف 16، لن يجد الإيرانيون بداً من تعميق الشراكة مع الضامنين الآخرين لعملية أستانا: روسيا وتركيا.