آفاق التحالف الأميركي الكردي

| عبد المنعم علي عيسى

في صيف عام 2014 وخريفه كان تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر على جغرافيا شاسعة تمتد من مدينة الباب السورية في الغرب حتى الموصل العراقية في الشرق، ومن جرابلس حتى الفلوجة، وتذكر وزير الخارجية الأميركية الأسبق هيلاري كلينتون في كتابها «الخيارات الصعبة» الذي أصدرته بعيد مغادرتها لمنصبها في عام 2013 أن واشنطن كانت في حزيران 2013 على وشك الاعتراف بدولة إسلامية تقوم على جزء من الجغرافيا السورية وكذا العراقية، إلا أن تطور الأحداث في المنطقة هو الذي استدعى تغييراً في الموقف الأميركي وفي الذروة منها الحدث المصري المتمثل بسقوط حكم الإخوان المسلمين يوم الثالث من تموز من ذلك العام، الانعطافة الأميركية استدعت إعلان الحرب الأميركية على داعش لأنها أضحت خارج سياق المخططات الأميركية.
تزامن ذلك الإعلان مع البحث عن حليف أميركي بري، والعديد من التقارير تقول: إن واشنظن كانت قد طرحت التحالف على «الجيش السوري الحر» إلا أن الأخير رفض إذا ما كان هدف التحالف هو توجيه البندقية إلى داعش فحسب، الأمر الذي استدعى، تضيف تلك التقارير، التوجه نحو الأكراد للقيام بذلك الدور، وقد يكون في هذه الرواية الأخيرة جزء كبير من الحقيقة، إلا أنها لا تصلح بالتأكيد كقاعدة أساس يمكن لواشنطن أن تكون قد ابتنت عليها تحالفها مع الأكراد.
في صيف عام 2013 كانت واشنطن قد قررت إنهاء تحالفها مع تنظيم الإخوان المسلمين الأمر الذي استدعى حرقاً للورقة القطرية ونزعا للتفويض الأميركي لتركيا في سورية، كانت خلفية ذلك التغير الأميركي تقوم على أمرين اثنين: الأول هو حادثة اغتيال السفير الأميركي في بنغازي في أيلول من عام 2012 بأيدي جماعات إسلامية متطرفة، والأهم هو أن واشنطن كانت تدعمها، والثاني هو أن الصورة التي تكونت لدى الأميركيين عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خلال عامي 2011 و2012 هي أن هذا الأخير ليس ببعيد عن صورة الرئيس المصري السابق محمد مرسي، بل لن يكون مستبعداً أن يلقى مصيره أيضاً، وربما ارتأت فيما بعد أن انقلاب 15 تموز 2016 في أنقرة لم يكن بعيداً عن سياقات انقلاب 3 تموز 2013 في القاهرة.
كانت الصورة الأميركية التي أخذت تتبلور عن أردوغان تقول: إن هذا الأخير يعمد إلى استغلال كل ما يمكن أن يأتي به الدين والتراث الذي جمع لمرحلة من المراحل بين العرب والأتراك، وكذا تصوير الأمر على أن من مصلحة العرب اليوم الاستناد إلى الكتف التركية تماما كما فعلوا في عام 1516 فصاعداً، واستخدام كل ذلك لتأمين فيزا عبور إلى الجنوب العربي بدءاً من البوابة السورية، وربما لم تكن محاولات أردوغان في هذا السياق جديدة على الأميركيين فقد سبق لهم أن شهدوها إبان حكم رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان الذي عملت واشنطن على إسقاطه في عام 1997، بالمقابل كان أردوغان يدرك منذ البداية أن التحالف الأميركي مع الأكراد في سورية يذهب بعيداً عن الأهداف المعلنة له والتي تمثلت بإسقاط «دولة» داعش، ما يعني له أن ذلك التحالف ليس مرحلياً أو مؤقتاً وإنما يؤسس لأهداف مستقبلية وهو ما تبدى بشكل واضح في سلسلة الخرائط التي سربتها قيادات كردية غداة الإعلان عن «روج آفا» في تشرين الثاني 2013 التي تعني حرفيا «حيث تغرب الشمس الكردية» أو غرب كردستان.
كان إخفاق المشروع الكردي في العراق بعد استفتاء أيلول من العام المنصرم والتطورات التي أعقبته في كركوك قد دفعت بالأميركيين إلى التركيز على الضفة الكردية المقابلة في سورية عبر دعم الأكراد السوريين وتحديداً منهم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني PYD والذي تعتبره أنقرة الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني PKK الذي لعبت CIA دوراً بارزا في اعتقال زعيمه عبد اللـه أوجلان وإيداعه سجن إيمرالي منذ عام 1999 وإلى اليوم.
بالتزامن مع الحرب على داعش كانت واشنطن تعمد إلى الدفع بالأكراد نحو تأطير كيانهم السياسي بدءاً من الإدارة الذاتية ثم بناء جيش وإلحاقه ببرلمان وصولاً إلى تأسيس جيش لحماية الحدود، ورغم العديد من التصريحات والمواقف الأميركية التي قالت بوقف الدعم الأميركي للأكراد إلا أن ذلك لم يمنع البنتاغون من تخصيص 550 مليون دولار لميليشيا «قسد» قبل أيام.
فضحت «غصن الزيتون» التركية سقف التحالف الأميركي الكردي فقد كان من الواضح أن واشنطن قررت ترك مسافة بينها وبين النيات الكردية حتى ولو كانت هي نفسها تقف وراء تلك النوايا، وهي اليوم تقف متفرجة على حليفها الكردي الذي يتعرض لمعركة كسر عمود فقري سوف يصعب انتصاب الجسد الكردي من بعدها، وهو أمر يمكن قراءته على أن واشنطن لا يهمها قيام كيان سياسي كردي مستقل من عدمه، وهي تهدف من وراء دعمها للأكراد إلى جعلهم قوة مهمة يمكن استخدامها ورقة تفاوضية عندما تفتح طاولات التسوية السورية وهو الأمر الذي يفسر عدم اهتمام واشنطن في السابق للتجاهل الذي لقيه الأكراد في العديد من المحطات التي كانت تندرج في سياق التسوية السياسية للأزمة السورية فهي تختزنهم للأيام القادمة لفرض مطالبها عبرهم.
التحالف الكردي الأميركي واه على الرغم من أن العديد من المؤشرات تقول غير ذلك وسيرتكب الأكراد السوريون خطأ قاتلاً إذا ما كانوا يعتقدون غير ذلك، ومن المؤكد أن واشنطن عندما ترى أن مصالحها تحققت فهي لن تتردد في أن تطوي مظلاتها وتهاجر تاركة الجمل بلا حمل، وقد يطول ذلك لكنه في النهاية سوف يحدث، وعندها ستعود إلى الحبيب الأول الذي لا خوف عليه لأنه راسخ في القلب والنفس، وربما كانت زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي هربرت ماكماستر الأخيرة لأنقرة يوم الأحد الماضي والمواقف التي نتجت عنها دليلاً واضحاً على ما سبق، والمؤكد أن تلك الزيارة وما سيتبعها من خطوات على طريق تطبيع العلاقات الأميركية مع تركيا سوف تكون لها ارتدادات واضحة على علاقة واشنطن مع الأكراد.