رؤيتا كيسنجر وماكماستر للعلاقات بين واشنطن وموسكو

| أنس وهيب الكردي

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا مساراً تصادمياً، ليس ذلك نتيجة الاتهامات في واشنطن حول وجود تدخل روسي مزعوم في الانتخابات الرئاسية الأميركية أسفر عن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض خريف العام 2016 الماضي، أو الاختلاف حول سبل تسوية الأزمتين السورية والأوكرانية فحسب، بل يمكن إرجاعه إلى مخاوف الإدارة الجمهورية من ازدياد النفوذ الروسي وتوسعه في آوراسيا، والأساليب التي تتوخاها موسكو لتحقيق ذلك.
بالنسبة للمخططين الإستراتيجيين الأميركيين، أدى تعافي روسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين إلى جولة جديدة مما يصفونه بـ«التوسع الروسي»، وهم يعتقدون أن روسيا مارست دورات من التوسع خلال التاريخ على حساب دول جوارها مثل السويد وبولونيا في القرن الثامن عشر، والدولتان العثمانية والفارسية وإمارات آسيا الوسطى في القرنين الثامن والتاسع عشر، ودول وسط وشرق أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية والحرب البادرة، ويرون أن ما حد من طموحات روسيا وفتوحاتها لم يكن إلا معارضة بروسيا والنمسا لها في شرق أوروبا والبلقان أواخر القرنين الثامن والتاسع عشر، وبريطانيا العظمى في البحر الأسود وعلى مشارف الهند لفترات طويلة من القرن التاسع عشر، والولايات المتحدة إبان الحرب الباردة.
كتب وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر، في عام 1999، أن روسيا مجرد «وجود توسعي»، وبهذا هي «تشكل تهديداً لميزان القوى كما تشكل أيضاً أحد عناصره الرئيسية اللازمة للتوازن التي كانت ضرورية للتوازن لكنها لم تكن جزءاً كاملاً منه»، وكان كيسنجر أول أميركي فهم بعمق التداعيات الشاملة لنزول القوات الروسية في الساحل السوري أواخر العام 2015 الماضي، على هيكل القوى في الشرق الأوسط والذي شكلته الولايات المتحدة قبل نحو الأربعين عاماً، على حساب الاتحاد السوفييتي في حينه، والذي لن تقبل موسكو ببقائه على حاله.
والأرجح أن كيسنجر، الذي يلعب من وراء الكواليس دور الوسيط بين بوتين وترامب، مدفوعاً بما يعتبره حركية روسيا في النظام الدولي وعبر التاريخ، يقترح التوصل إلى ترتيب مع موسكو في شرق أوروبا والهلال الخصيب، يسمح للولايات المتحدة باحتواء روسيا ضمن آلية للتعاون الدولي، وهو على ما يبدو يحاول العمل على تحقيق ذلك، وتبدو محاولاته وكأنها تصطدم بتشدد العسكريين الأميركيين الذين يعتقدون أنهم يواجهون هجوماً روسياً منسقاً يستهدف المنظومة الأميركية في أوروبا والشرق الأوسط، متوافقاً مع مساعي موسكو لتخريب «الحياة السياسية الأميركية» و«النظام الأميركي».
يعبر عن هؤلاء العسكريين الجنرال هيربرت ريموند ماكماستر، الذي تولى قبل نحو العام منصبه مستشاراً للأمن القومي في البيت الأبيض، وماكماستر سبق أن تدرج في مراتب الجيش الأميركي وكبرى إداراته، منظّراً لمخاطر حملة تشنها روسيا والصين وإيران لتغيير النظام الدولي القائم عبر تكتيكات «الحرب الهجينة» و«الحرب غير المتناظرة»، بدعم قوات غير نظامية تتقدم خطوة صغيرة غير ملاحظة ومؤثرة بميزان القوى وراء خطوة أخرى.
أمام خطوة بهذه المواصفات، لن تبدي واشنطن اهتماماً بالرد، لكن وعلى مدى طويل لا يبقى أمامها سوى القبول بالتغييرات الصغيرة المتتالية التي طرأت على ميزان القوى لمصلحة منافسيها، أو الرد بقوة كبيرة وتحمل تكاليف باهظة تزايدت بمرور الأيام، وهكذا أدى نجاح روسيا في إخفاء تحركاتها في القرم وشرقي أوكرانيا، إلى ميزان قوى جديد في شرقي أوروبا، أما إنزالها قواتها في سورية فقد أحدث تغييراً مهماً في الهلال الخصيب وعموم الشرق الأوسط، وبالنسبة لماكماستر لا بد من الرد قبل أن يفوت الأوان.
ولأن ماكماستر هو من يتولى مقاليد الأمور في البيت الأبيض، فكان طبيعياً أن يجترح إستراتيجية للرد على ما يراها محاولات روسيا للتقدم شعرة فشعرة نحو نظام عالمي أكثر تعددية وديمقراطية، وكانت سورية المكان الأمثل لتطبيق هذه الإستراتيجية نظراً للكلفة الزهيدة التي ستدفعها واشنطن هناك.
بعيد توليه مهام منصبه بشهر، حرّك مستشار الأمن القومي الأميركي ورقة الكيميائي ضد دمشق وموسكو وهو لا يزال يفعل ذلك، لاحقاً أصر على استمرار تحالف واشنطن مع «وحدات حماية الشعب» الكردية، علها تكون قوات غير نظامية بيد الولايات المتحدة لمواجهة الروس والإيرانيين في سورية، وعلى الأرجح أنه من يقف وراء الهجوم الغامض على قاعدة حميميم الروسية وإسقاط القاذفة الروسية فوق إدلب.
ما يريده ماكماستر إقناع روسيا أن إستراتيجيتها غير مجدية، وإلا إحباطها ومنعها من تحقيق مكاسب، مساهماً على ما يبدو في إفشال الجهود التي يقودها كيسنجر لإرساء تفاهمات أميركية روسية تبقي على روسيا شريكاً، ولو صعب المراس، في المنظومة العالمية.