أنقرة والقاهرة تلعبان لعبتهما الخاصة

| أنس وهيب الكردي

الآن، وقد تجلى الصراع المصري التركي في المنطقة بأبرز تجلياته، اكتملت معالم عودة العالم الإسلامي إلى القرن السادس عشر.
لا تعادي الحكومة المصرية تركيا فقط، كرد على تدخل أنقرة في الشؤون المصرية الداخلية، ودعمها لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة في مصر، بل تقف وراء ذلك مصالح إستراتيجية واقتصادية.
من سورية، العراق، غزة، السودان، الصومال، الخليج العربي، شرق البحر الأبيض المتوسط فالعراق، فقضايا النفط والغاز والملاحة العالمية، تتشابك أنقرة والقاهرة في لعبة خاصة بهما تتحكم بها عوامل التاريخ والجغرافيا السياسية.
يظهر التاريخ تكرار الصراع ما بين منطقتي الأناضول ووادي الفرات منذ عهد الحثيين والفراعنة مروراً بالعثمانيين والمماليك، ومحمد علي باشا، وخلال عهد الرئيسين التركي عدنان مندريس والمصري جمال عبد الناصر.
لقد تمكن الحثيون والفراعنة من تحويل صراعهما إلى صداقة، بعد سلسلة من الحروب عبر معاهدة جرى توقيعها في بلدة قادش جنوب مدينة حمص، إلا أن الصراعات لم تنته سوى بمنتصر ومهزوم أو نتيجة تدخل دولي، وتؤكد هذه الصراعات المتكررة أن علاقات هاتين المنطقتين هي علاقات تنافسية بجوهرها.
على الرغم من تكرار الصراعات ما بين تركيا ومصر عبر التاريخ، إلا أن الصراع ما بين العثمانيين والمماليك يبقى أكثرها حضوراً، وهو لا يزال وبعد أكثر من خمسمئة عام، يلقي بظلاله على العلاقات ما بين أنقرة والقاهرة في الوقت الراهن، وانتهى ذلك الصراع باجتياح العثمانيين لبلاد الشام ومصر في معركتي مرج دابق والريدانية، وبذلك قضى العثمانيون على دولة المماليك، ومن هنا جاءت مواقف المصريين، وأكثر من غيرهم في المنطقة، حادة، حيال تحركات الجيش التركي في سورية ابتداءً من عملية «درع الفرات» وحتى «غصن الزيتون»، ولقد ولد هجوم الأتراك في عفرين ردة فعل عنيفة في القاهرة محملة بالهواجس التاريخية، ووقف قلق مصر من تمدد النفوذ التركي في الهلال الخصيب وراء تحول موقفها من الحرب في سورية، واتصالاتها مع «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي.
نسجت القاهرة علاقات قوية مع أبو ظبي كفعل توازني في مواجهة الحلف التركي القطري في الخليج العربي، وعلى الرغم من الضغوط السعودية، لم تنجرف مصر وراء الرياض في عدائها الصريح حيال إيران، مفضلةً الحفاظ على اختيار إيراني لمواجهة الأتراك، الذين يتزايد ميلهم الحماسي للتمدد في سائر المنطقة.
في شرق المتوسط، عملت القاهرة على تشكيل مثلث مصري يوناني قبرصي، من أجل مواجهة الإستراتيجية التركية الخاصة بالبحر الأحمر، بدورها، توغلت أنقرة في عمق أفريقيا، مطورةً علاقاتها مع كل من السودان والصومال، وبينما تخطط تركيا للتحول إلى عقدة مرور لأنابيب النفط والغاز، كشفت مصر عن رغبة مماثلة مستغلةً، علاقاتها القوية مع قبرص واليونان، وتحول شرق البحر الأبيض المتوسط إلى واحد من أكبر مخازن الغاز الطبيعي في العالم.
سيزداد التنافس بين مصر وتركيا في المنطقة خلال المرحلة المقبلة، معيداً الشرق الأوسط إلى مطالع القرن السادس عشر، وليس فقط هذا الصراع هو فقط ما يعيدنا إلى ذلك القرن بل مجمل الوضع في المنطقة.