أنقرة ما بعد زيارة تيلرسون

| عبد المنعم علي عيسى

عندما قرر تنظيم الإخوان المسلمين عسكرة الاحتجاجات السورية مطلع أيار 2011 باتت أنقرة قبلة للجميع بمن فيهم الأميركيون الذين راحوا يرقبون كل تفصيل في الأداء السياسي للأتراك.
كانت العلاقة الأميركية الإخوانية في حينها تمر بأفضل حالاتها الأمر الذي أضفى حالة من الاسترخاء على العلاقة الأميركية التركية المتينة أصلاً، لكن لم يطل الوقت بهذه الحالة السابقة هكذا، فقد قررت واشنطن فك تحالفها مع الإخوان في أعقاب اغتيال السفير الأميركي في بنغازي أيلول 2012 على أيدي مسلحين إسلاميين كانوا ممن تظلهم المظلة الأميركية وتدعمهم، وكنتيجة طبيعية لهذا الانفكاك أنهت واشنطن توكيلها الذي سبق أن أومت به لأنقرة فيما يخص الملف السوري.
لم يكن الموقف الأميركي الجديد ناجماً فقط عن حالة تخل تجاه النموذج الإسلامي «المعتدل» الذي كانت أنقرة تسوق له، وإنما كان ناجماً أيضاً عن صورة تكاملت ملامحها لـ«الأردوغانية» في ذهنية صانع القرار السياسي الأميركي الذي اكتشف أن هذي الأخيرة ليست سوى حالة توسعية وهي ليست ببعيدة عن «الأتاتوركية» أو «الطورانية» اللتين لم تنجحا في تحقيق مرام توسعية الأمر الذي دفع طبيعياً إلى تغيير اللبوس هذه المرة وهو ما يتساوق مع طبائع القوة التي إن هزمت بشكل ما فإنها تحاول من جديد بأشكال أخرى.
في أيار من العام 2012 استضافت أنقرة رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني الذي ارتدى زيه الشعبي في سابقة ما كان لأنقرة القبول بها لولا حجم التعويل الذي كانت توليه لتلك الزيارة، وفي ذلك اللقاء طلب الأتراك من ضيفهم إقناع الأكراد السوريين بوجوب التمرد على الدولة السورية، وعلى الرغم من أن النجاح لم يحالف تلك المحاولة إلا أن رهان أنقرة ظل يراوح في الوعاء نفسه، لكن على الرغم من استثنائية غرفة العناية و«المقبلات» التركية المتنوعة فإن المحاولة التي امتدت على مدار ما يقرب من العامين لم تأت بنتائج تذكر، كان الأكراد فاقدي الثقة بالقيادة التركية وبأردوغان تحديداً، وفضلوا حالة «الشغور» الوظيفي على العمل مع أردوغان، إلا أن الشغور لم يطل بهم كثيراً فقد عمدت واشنطن بعيد تراجعها عن الاعتراف بدولة إسلامية سنية تقوم على أجزاء واسعة من سورية والعراق ربيع العام 2013، إلى رفع شعار محاربة «تنظيم الدولة الإسلامية» وأشيع أن الدعوة كانت أولاً لـ«الجيش السوري الحر» إلا أن الأخير لم يوافق على توجيه بندقيته إلى داعش فحسب، ولذا كانت الوجهة التالية نحو الأكراد الذين تحولوا سريعاً إلى حليف بري لواشنطن لا غنى عنه.
مثل استخدام الأميركيين للأكراد استفزازاً لأنقرة لا سقف له، فأن تعمد واشنطن إلى اللعب بالورقة الكردية لتحقيق مشروعها في سورية هو أمر لا بد أن تكون له تداعيات خطرة على البنيان والتركيبة التركية، فأيقنت أنقرة أن الهدف التالي لكل من سورية والعراق هو تركيا دون أدنى شك، لتشهد السنوات الثلاث الماضية حالة توتر تركية أميركية لم تعرف السكينة، ولا يمكن القول إن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون إلى أنقرة في منتصف الشهر الجاري قد نجحت في إحداث تحول في مسار التصعيد الذي بدا حاكماً للعلاقة الأميركية التركية بشكل مطلق.
في صيف العام 1990 ضحت الولايات المتحدة بالكويت لاصطياد القوة العراقية لاعتبارات تتعلق بالأمن الإسرائيلي، وفي الأفق تلوح محاولة تكرار ذلك السيناريو عبر التضحية الأميركية بالأكراد لاصطياد تركيا وإخراجها من معادلات القوة في المنطقة بعدما تأكد أن واشنطن قد ضاقت ذرعاً بـ«تمرد» أنقرة، وإلا فكيف يمكن فهم ما قاله السفير الأميركي الأخير في دمشق روبرت فورد في العام 2013 عندما قال: «ما نقوم به مع الأكراد هو عمل لا أخلاقي».