تركيا ومعضلة الابتعاد عن موسكو

| أنس وهيب الكردي

إذا جاء القادة الأتراك يستعرضون حصاد سياستهم مذ قرروا التصالح مع روسيا أواسط العام 2016، وما تلاه، لا شك أنهم سيشعرون بالرضا، على الرغم مما اضطروا إلى دفعة من ثمن.
أدى التعاون الروسي التركي إلى موافقة موسكو على إطلاق أنقرة عمليتين عسكريتين في الريف الشمالي لحلب، وإدخال قوات مراقبة عسكرية تركية إلى نقاط في شمال وشرق إدلب وجنوب وغرب حلب، داخل ما يعتبره الكثيرون منطقة نفوذ روسيا، وأضحت تركيا شريكاً بجهود تسوية الأزمة السورية عبر مسار أستانا الذي ترعاه مع كل من روسيا وإيران.
حكم اقتراب تركيا من روسيا، عوامل عدة، هي: خشية أنقرة من الخروج صفر اليدين من سورية بعد انخراط موسكو عسكرياً إلى جانب الحكومة السورية، وقلق القادة الأتراك من عدم ممانعة عواصم غربية لانجراف تركيا وروسيا إلى صراع في سورية يستنزفهما معاً من دون تقديم أي دعم لأنقرة حليفتها في حلف الشمال الأطلسي «الناتو»، وأخيراً، تصاعد حدة الخلاف التركي الأميركي حول الحرب على تنظيم داعش نتيجة إصرار واشنطن على اعتماد «وحدات حماية الشعب» الكردية، كقوة برية للتحالف الدولي في حربه على التنظيم شرقي سورية، متجاهلةً بذلك مخاوف أنقرة ومطالبها، وجاءت المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز من العام 2016، التي اتهم مسؤولون أتراك علناً أجهزة أميركية بتدبيرها والوقوف ورائها، لتزيد من عزم الرئيس رجب طيب أردوغان على السير في طريق التقارب مع موسكو.
لاقى الكرملين أردوغان في منتصف الطريق، وكانت موسكو تخشى وجود مخطط أميركي لضرب تركيا بروسيا واحتوائهما في سورية، ما يترك الباب مفتوحاً أمام واشنطن لإنشاء دويلة جديدة في الشمال السوري تصل إلى البحر الأبيض المتوسط، كما أن روسيا لم تكن مرتاحة إزاء اعتمادها على إيران لتحقيق أهداف حملتها في سورية، فاختارت أن توازن سياساتها عبر الانفتاح على أنقرة، وبذلك، أدخل الكرملين الدولتين الإقليميتين، إيران وتركيا، في شراكة ثلاثية مع روسيا من أجل تسوية الأزمة السورية، وازدادت صلابة تلك الشراكة بسبب السياسات الأميركية المتمركزة حول شرق سورية، لكن الوضع الراهن من شأنه أن يؤدي إلى إعادة النظر في هذه الشراكة، وبالأخص ما بين الروس والأتراك.
لقد كثفت واشنطن محاولاتها لإحداث شرخ ما بين أنقرة وموسكو وجذب تركيا بعيداً عن روسيا، وليس آخرها زيارة مستشار الأمن القومي هيربرت ماكماستر ووزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، كل على حدة، إلى العاصمة التركية أنقرة، على حين رفعت الدول الأوروبية مستوى اتصالاتها مع روسيا بهدف إبعادها عن تركيا وتوفير الحماية لعفرين، وكان من نتائج ذلك صدور القرار 2401 عن مجلس الأمن الدولي، ومؤخراً، ارتفعت حدة التوترات التركية الإيرانية في شمال سورية وبالأخص حول عفرين ما أضفى مزيداً من التعقيد على مسار أستانا، ولقد أدى انتشار قوات قريبة من إيران في المدينة إلى تقارب تركي سعودي مضاد، على الرغم من استمرار الخلافات ما بين أنقرة والرياض حول مؤتمر سوتشي، وشرق سورية، والأزمة القطرية.
ترافقت توترات الشمال مع تناثر التقارير حول عزم روسيا وإيران دعم هجوم جديد للجيش السوري لإنهاء وجود المسلحين في إدلب، عقب الفراغ من معركة الغوطة الشرقية، وهو ما من شأنه أن يثير قلق المسؤولين الأتراك.
وإن تلهفت أنقرة لإنقاذ علاقاتها بواشنطن، إلا أنها لا تجد السبيل معبداً لتحقيق ذلك؛ فأي تقارب تركي أميركي في سورية، من شأنه توليد رد فعل روسي يربك حسابات أنقرة السورية، وتملك روسيا خيارات عدة، أهمها على الإطلاق: تشجيع دخول مزيد من المقاتلين للدفاع عن عفرين ودعم القوات المدافعة عنها، وإيقاف التنسيق الجوي مع تركيا ما يؤدي إلى فقدان المهاجمين الأتراك وحلفائهم من المليشيات المسلحة، للغطاء الجوي الحاسم في تحقيق تقدمهم على حساب المدافعين عن المدينة، وهكذا، تغرق أنقرة بمستنقع لا خروج منة بسهولة، فليس عبثاً أن روسيا سحبت عناصر قواتها من مواقعهم في عفرين إلى مدينة تل رفعت القريبة التي تمكنها من الإشراف على العملية التركية وتثبيطها في أي وقت شاءت.
كما تحتل القوات الروسية موقعاً ممتازاً للضغط ميدانياً على أي اتفاق أميركي تركي، إذ إن وجودها في بلدة العريمة على الطريق الواصل ما بين مدينتي منبج والباب، يمكنها من تعطيل أي صفقة تركية أميركية بخصوص تلك المنطقة الواقعة إلى غرب نهر الفرات في شمال محافظة حلب، وقد تذهب موسكو إلى حد إفساح المجال أمام القوات الحكومية وحلفائها للضغط على مواقع المسلحين المنضوين تحت لواء عملية «درع الفرات» في شمال حلب.
هذه المعضلة، تدفع أنقرة إلى الحذر في خطواتها تجاه واشنطن، وإن لم تتراجع عن السير في هذا الاتجاه، ذلك أن دورها في سورية يقتضي انفتاحاً على الولايات المتحدة، ويؤكد المكانة الجديدة لتركيا كرقاص توازن في الشرق الأوسط.