تحالفات مرهونة بالفشل

| سامر علي ضاحي

تشير المعطيات الميدانية الواردة من الغوطة الشرقية إلى قيام مجموعات المعارضة المسلحة بعملية إعادة تموضع هناك، لا تقيها تبعات القرار 2401 القاضي باستثناء التنظيمات الإرهابية من وقف إطلاق النار من جهة، ومن جهة ثانية أشعلت نار الشكوك بينها ما سرع بعملية تقدم الجيش العربي السوري وحلفائه بإستراتيجية واضحة ضد جبهة النصرة الإرهابية أو ما بات يعرف باسم «هيئة تحرير الشام».
من المفارقة بمكان أن مسلحي الغوطة كانوا يصرون على نفي علاقتهم بـ«تحرير الشام» على الدوام، إلا أن تشكيل غرفة عمليات مشتركة قبل إطلاق الجيش لعملية الغوطة، رغم نفيهم أيضاً لها، كشف بأن ميليشيا «جيش الإسلام» يقف وحيداً في وجه محور ثلاثي الأطراف قوامه «تحرير الشام» و«حركة أحرار الشام الإسلامية» و«فيلق الرحمن» وكفة العتاد والعدد تكاد تكون متوازنة بين الجهتين فكان لا بد لهم من تحالف بدأت بوادره ترتسم على جبهات الغوطة.
ففي الوقت الذي أعلن فيه «جيش الإسلام» الانسحاب من حوش الضواهرة والشيفونية وتل فرزت في مناطق جنوب وجنوب شرق الغوطة كان ثمة مسلحون يستميتون للدفاع عن تلك النقاط وهو ما يشير إلى أن «جيش الإسلام» دفع بمسلحي «تحرير الشام» و«أحرار الشام» إلى الجبهات الخارجية في الغوطة عبر التحالف الجديد بينهم، لاستثمار الانغماسيين لدى هؤلاء الراديكاليين بما يحملونه من عقيدة القتال حتى الموت، واستعدادهم لتنفيذ عمليات انتحارية، مقابل أن يسحب عناصره إلى مدينة دوما مدركاً أن قتال الجيش السوري هناك سيمنحه ميزة إضافية لكونه يدرك دهاليز المدينة ويحتفظ فيها بمخطوفين بالآلاف يمكنه التفاوض عليهم لاحقاً.
أما ما دفع بقية المجموعات للقبول بخطة «جيش الإسلام» فهو إبداؤه استعداد توحيد جبهات القتال وفتح أبواب المدينة لهم في حال انسحبوا إليها تحت ضغط الجيش، ولاسيما أن ورقة الخروج من الغوطة اليوم بيد «جيش الإسلام» بما يمتلك من عديد المسلحين وعلاقات خارجية جيدة مع أطراف إقليمية ودولية ما فتئت تنادي بإيقاف عملية الغوطة حرصاً عليه، حتى إن له اتصالات مع الروس.
ولعل الداعمين لـ«جيش الإسلام» باركوا هذه الخطة ولاسيما أنها في المراحل الأولى ستنهك قوى إرهابية لا يمكن وصفها «معتدلة» وتترك لـ«الفيلق» و«أحرار الشام» برفقة «النصرة» الإرهابية تلقي ضربات جوية روسية وأخرى أرضية سورية لتقضي عليهم، ويمكن القول أيضاً إن «جيش الإسلام» قد يكون متعاوناً من تحت الطاولة مع الروس من خلال زيادة مبرراتهم لاستهداف الغوطة بإيجاد إرهابيين على الدوام على جبهات القتال الخارجية، مقابل وعود منحت له بضمان خروج آمن أو اتفاق لاحق يمنحه ترتيبات معينة ولاسيما أن الفترة الماضية حفلت بصراعات داخلية بين «جيش الإسلام» والمجموعات الأخرى على زعامة الغوطة.
حتى إن كان الروس غير جديين بوعودهم له فإن «جيش الإسلام» قد يكون ابتلع الطعم فبادر إلى الانسحاب من بلدة مسرابا أيضاً، ولكن المجموعات الأخرى تبدو بالمقابل مدركة لنيّاته، فلجأت إلى الانتشار كي لا يسلم مناطقه للجيش السوري ويعريها في مناطقها، فأرادت الدفاع بعيداً عن معاقلها وخاصة في حرستا، باعتبار المواجهات مؤجلة حالياً على جبهات عربين وجوبر التي باتت معروفة عالمياً بـ«مدن الأنفاق» لذا نرى أن الجيش السوري حريص على عدم التقدم هناك منعاً للخسائر وترك قواته كسندان يستقبل ضربات مطرقته في جنوب وشرق الغوطة.
من الممكن التكهن بأن إستراتيجية الجيش السوري وحلفائه اليوم في الغوطة تمر بأربع مراحل ففي الأولى يشن هجمات في مناطق مفتوحة تزيد من مساحة السيطرة، وفي المرحلة الثانية يعمل على فصل دوما عن عربين التي تعتبر معقلاً لـ«تحرير الشام» و«الفيلق» أما في المرحلة الثالثة فيتم استهداف الخواصر الرخوة في دوما وعربين عبر القضم التدريجي، ليصار إلى اقتحامهما في المرحلة الأخيرة.
ولعل ما نراه اليوم من تقدم للجيش يخدم إستراتيجيته، على حساب الشكوك المتصاعدة بين المجموعات المسلحة التي توحي بالفشل حتى لو كان ليس قريباً.