ستار الفرات الحديدي إعلان لنظام دولي جديد

| يونس أحمد أخرس

تتأثر الأزمات الدولية بطبيعة النظام الدولي السائد، وتمتحن قدرته على ضبط أحداثها وإدارة قواها الفاعلة، وفي تشكيل نتائجها وتسوياتها، لكنها من جانب آخر تؤثر في هيكل النظام الدولي إلى حد التحدي وتتحول معه الأزمة إلى مخاض لولادة نظام دولي جديد، كالأزمة السورية التي تنهي عامها السابع مسجلة محطة مهمة ومفصلية في تاريخ العلاقات الدولية لم تعرف صفحاته أزمة دولية مركبة شديدة التعقيد مثلها نظراً لانقسام المجتمع الدولي حيالها إلى آليتين متناقضتين في الأهداف والمصالح تؤثران بها بطريقة تجعل الأحداث في المنطقة قابلة للانفجار واندلاع حرب إقليمية شاملة في كل لحظة، وكأن نظاماً دولياً جديداً غير معلن بدأ يتشكل فاعلوه الدوليون ونطاق نفوذهم.
فالولايات المتحدة التي تقود الآلية التي تسعى إلى تدمير الدولة السورية وتجزئة جغرافيتها إلى دويلات صغيرة، حافظت على دور تميز بالغموض وعدم الوضوح، نتيجة عدم تدخلها المباشر وبقوة في الأزمة السورية، إلا أنها تمكنت عبر التفويض الدولي لـ«محاربة داعش» من إقامة عشرين قاعدة عسكرية شرق الفرات، أخفت وراء تطويرها رؤيتها الخاصة للتعاطي مع الأزمة السورية على الرغم من تصريحاتها بأن قواتها العسكرية ستخرج من سورية بعد القضاء على داعش، وتزامن النشاط العسكري الأميركي شرق الفرات مع التدخل الروسي عسكرياً في سورية نهاية أيلول 2015 ما رجَّح كفة الدولة السورية في الصراع الدائر على أرضها، ومكَّنها من القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما يعتبر في الحسابات الإستراتيجية الكبرى انتصاراً لروسيا وتكريساً لوجودها العسكري في الشرق الأوسط وتمدداً لنفوذها على حساب النفوذ الأميركي وحلفائه في المنطقة، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى الإعلان على لسان وزير خارجيتها ريكس تيلرسون عن إستراتيجية واشنطن الجديدة تجاه سورية، والتي تنقسم إلى محورين أولهما عسكري يستند إلى بقاء القواعد العسكرية الأميركية شرق الفرات، والثاني سياسي عبر الأمم المتحدة ومندوبها ستيفان دي ميستورا بهدف إنتاج ديناميكية جديدة للحل السياسي، تعرقل جهود روسيا لإنتاج حل سياسي في سوتشي، يقود في النهاية إلى تقويض الدولة السورية وتفكيكها.
في الواقع يتفاعل محورا الإستراتيجية الأميركية لإنجاز مشروعها شرق الفرات الذي يتجاوز بكثير البعد الداخلي للأزمة السورية، والهادف إلى إقامة دولة كردية تتماهى في دورها ووظيفتها مع الكيان الصهيوني، محولةً نهر الفرات إلى ما يحاكي جدار برلين، في ظل استعداد سعودي إماراتي لإطلاق مشروع مارشال لإعادة إعمار شرق الفرات، ما يشكل اعترافاً أميركياً بأن مرحلة تفرّدها بقيادة العالم قد انتهت، وأن مرحلة نظام دولي جديد ثنائي القطبية أصبح أمراً واقعاً راميةً ستاره الحديدي على طول نهر الفرات فساهمت الأزمة السورية بشكل مباشر في تحديد أطرافه الدوليين، وإخراج أدوارهم.
تسعى الولايات المتحدة في إطار هذا المشروع إلى خلق جيب جغرافي آمن لـ«قوات سورية الديمقراطية – قسد» وإرهابيي داعش وجبهة النصرة، يهدد الدولة السورية ويستنزف قدراتها العسكرية، أما إقليمياً ودولياً فهو يهدف إلى كسر الهلال الجغرافي لمحور المقاومة وعزل إيران وإضعافها كهدف إستراتيجي، كما تسعى الولايات المتحدة إلى تطوير الدور الوظيفي للدولة الكردية بهدف ترميم التصدع الذي أصاب معادلة الردع الإسرائيلية بعد حربها مع حزب اللـه عام 2006، أما في مواجهة العطش الروسي للمياه الدافئة واندفاعتها العسكرية في الشرق الأوسط من البوابة السورية، فالستار الحديدي الذي فرضته واشنطن فوق نهر الفرات شكل أهم رموزه ودلالاته، من خلال سعي الولايات المتحدة لتوسيع قواعدها العسكرية وزيادة قدراتها التسليحية واللوجستية والعملياتية.
وفي ظل انشغال الجيش السوري وحلفائه على جبهات الغوطة وإدلب ودرعا، فإن المشروع الأميركي يتقدم دون أي تهديد، إلا أن محور المقاومة توعد على لسان علي أكبر ولايتي مستشار السيد علي الخامنئي أنه في حال عدم خروج الجيش الأميركي من شرق الفرات فإنه سيتم إجباره على ذلك، ما يعني أن مسألة المواجهة بين القوات الأميركية ومحور المقاومة مسألة وقت، إلا أن الرد الإستراتيجي على المشروع الأميركي جاء من خلال المظلة النووية التي نشرها الرئيس الروسي فلاديمر بوتين فوق حلفائه أثناء خطابه أمام البرلمان الروسي في الأول من آذار وإعلانه عن مجموعة من الأسلحة الجديدة التي تشكل بقدرتها على المناورة والتدمير انطلاقاً لحرب باردة جديدة ونظام دولي جديد ستكون ضفتا نهر الفرات أول خط تماس بين قوتيه، وأول رمز من رموز انقسام العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.