القواعد الأميركية في العراق لا انسحابات في المدى المنظور

| أحمد ضيف الله

ما إن أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي هزيمة تنظيم داعش في التاسع من كانون الأول الماضي، بعد معارك استمرت نحو 3 سنوات، حتى عاد السؤال يطرح مجدداً عن موعد انسحاب القوات الأجنبية من العراق، وبالأخص القوات الأميركية. وتعاظم هذا السؤال بعد قيام الطيران الأميركي، بقصف رتل من قوات الشرطة الاتحادية في ناحية البغدادي بمحافظة الأنبار فجر الـ27 من كانون الثاني المنصرم، الذي أدى إلى استشهاد نحو «8» بينهم ضباط وعناصر شرطة ومسؤولون محليون، وجرح «20» آخرين، متجاهلاً التنسيق مع القوات العراقية، معتبراً ما جرى بـ«الخطأ».
ومع التسريبات التي نشرتها وكالة أسيوشيتد برس في الـ5 من شباط الماضي، من أن القوات الأميركية بدأت بسحب جزء من قواتها من العراق، وأنها ستخفض عديد جنودها بنحو تدريجي، وتأكيد المتحدث الرسمي باسم مكتب رئيس الوزراء، بأن «الخفض الذي يجري بالتنسيق مع بغداد جاء نتيجة لانتهاء العمليات العسكرية ضد داعش، ومن ثم لم يعد هناك أي مبرّر لبقاء مستوى القوات الأميركية على حاله».
ومن ثم نفى إيريك باهون المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية، من أن «واشنطن لا تنوي سحب أي جندي أميركي من العراق في المدى القريب»، وبأن «البنتاغون متفق مع حكومة بغداد على تحويل مهمات القوات الأميركية إلى عمليات تركز على تدريب وحدات الجيش العراقي، ورفع جاهزيتها وقدراتها على محاربة الإرهاب».
حتى تجدد السؤال عن مدى الحاجة للقوات الأجنبية وخصوصاً القوات الأميركية، داعياً إلى أهمية جدولة انسحابها من العراق.
فيما جاء تصريح رئيس الوزراء العراقي في مؤتمره الصحفي الأسبوعي في الـ6 من شباط الماضي، عائماً وملتبساً، بقوله: إن «لدى الحكومة خطة لتخفيض عديد قوات التحالف الدولي في العراق تدريجياً، لأننا لا نريد أن يكون هناك فراغ»، موضحاً أنه «لا يزال هناك خطر داخل الأراضي السورية، نحن مسيطرون على الحدود، ولكن يمكن أن تكون هذه خطورة حقيقية»، مؤكداً أن بغداد «بحاجة إلى جهدٍ دولي، ولا نريد أن نقوم بعمل غير منجز نهائياً، بل نريده أن ينجز بشكلٍ كامل».
ومما تجدر ملاحظته أن هناك فرقاً بين انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، وانسحاب القوات الأميركية منه.
ومن ثم، مع النفي الأميركي لخبر الانسحاب، أُعيد إحياء ملف انسحاب القوات الأميركية من العراق بقوة وأكثر صرامة. وهو ما دعا فصائل عدة من قوات الحشد الشعبي، إلى المطالبة بانسحاب القوات الأميركية من العراق «لأن بقاء القوات الأميركية يعرض البلاد للانقسام الداخلي ويشكل نقطة جذب للإرهاب»، فالعراق «ليس بحاجة إلى مستشارين فلدينا خبرات عسكرية كافية»، وأنه في حال رفض الجانب الأميركيين الانسحاب، فسيكون الرد «هو البندقية، وكما قاتلنا من أجل السيادة العراقية والحفاظ على العملية السياسية، سنعيد الكرة على القوات الأجنبية إذا أقرّوا بالاحتلال ورفضوا الانسحاب»، مؤكدين أن «الحساب بين الأميركان والشعب لن ينتهي ولن ننسى جرائم القتل والدمار الذي أحدثته هذه القوات»، مطالبين الحكومة بـ«تقديم صورة أوضح عما يجري في البلاد، هل القوات الأميركية ستنسحب جزئياً أو كلياً أو إن الأخبار غير صحيحة؟».
وبعد أن أعلن رئيس اللجنة الأمنية النيابية في بيان له بتاريخ 13 من شهر شباط الماضي، أنه «بعد القضاء على عصابات داعش الإرهابية فإننا اليوم لسنا بحاجة إلى وجود قوات أجنبية وهبوط وإقلاع طائرات أميركية من دون ضوابط وسيطرة عراقية كاملة على الأجواء»، مؤكداً أن «لجنة الأمن والدفاع النيابية ترفض أي جهة أجنبية تحاول فرض وجودها على الأراضي العراقية».
قرر المجلس النيابي في الأول من آذار الحالي، أنه «بعد إعلان النصر النهائي على المجاميع الإرهابية، ندعو الحكومة إلى وضع جدول زمني لمغادرة القوات الأجنبية الأراضي العراقية.
ومما يُشار إليه، أن وزارة الدفاع الأميركية كانت قد كشفت في الـ28 من تشرين الثاني المنصرم، أن عدد القوات الأميركية في العراق بلغ «8892» جندياً. ما يعني أن الحديث عن وجود مستشارين أميركيين هو لخلط الأوراق، فإن كانوا مستشارين فما هو المسوغ لوجود العدد الضخم من الناقلات العسكرية والدبابات والطائرات وما دورها.
إن الحديث عن بدء انسحاب القوات الأميركية من العراق، أو خفض عديدها، بات ضبابياً. فلا تصاريح واضحة ودقيقة «حتى الآن» سواء من بغداد أم واشنطن، عن العدد الدقيق لهذه القوات بداية، ومن ثم الجدول الزمني لخروجها، وخاصة أن حركة القوات الأميركية داخل العراق تشير إلى نيتها البقاء وقتاً أطول، عبر تحصين قواتها المنتشرة هناك، وإقامة قواعد لها في العراق وسورية، وهو ما ينسجم مع الإستراتيجية التي عبر عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً، في مواجهة إيران ونفوذها في المنطقة عموماً، والعراق خصوصاً.
وتنبئ خريطة الانتشار العسكري الأميركي في العراق، أن الغاية الرئيسة منه هو التضييق على قوات الحشد الشعبي، وتقليص دائرة نفوذه، حيث إن القواعد الأميركية التي تم إنشاؤها، أو يجري العمل على إنشائها، هي في المناطق التي فيها قوات الحشد الشعبي، فمثلاً القاعدة الأميركية قرب تلعفر في محافظة نينوى، هدفها منع تمدّد الحشد نحو منطقة سنجار والحدود العراقية السورية. كذلك يجري تحويل موقع قرب ناحية «إمام ويس» التابعة لمحافظة ديالى، القريبة من الحدود العراقية الإيرانية، إلى قاعدة أميركية، بهدف التضييق على تحركات الحشد الشعبي هناك، حيث يتحكم الموقع بمرور المركبات من قضاء خانقين باتجاه قضاء المقدادية ومنها باتجاه قضاء بعقوبة، وهذه المناطق تعتبر من ضمن المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل. كما تستهدف قاعدة القيارة في محافظة نينوى منع تمدد الحشد الشعبي في مناطق الشرقاط في محافظة صلاح الدين والحويجة في محافظة كركوك.
كما أقامت القوات الأميركية مواقع جديدة لها في الصحراء الغربية القريبة من الحدود السورية، في منطقتي الصكرة، والقائم في محافظة الأنبار، و«K1» في محافظة كركوك، إضافة إلى قاعدة مطار الصديق في طوزخرماتو في محافظة صلاح الدين.
ومما هو معروف أن القوات الأميركية تنتشر في عدد من القواعد العسكرية العراقية، منها قاعدة «فيكتوري» في مطار بغداد و«التاجي» شمال العاصمة، وقاعدة بلد الجوية في محافظة صلاح الدين، وفي ناحية الحبانية الواقعة بين مدينتي الفلوجة والرمادي، وفي «قاعدة عين الأسد» بناحية البغدادي التابعة لمحافظة الأنبار، إضافة إلى معسكرات لها في محافظة نينوى، وقواعد عسكرية في إقليم كردستان في منطقتي «أتروش» و«الحرير»، إضافة إلى قاعدتين في محافظة السليمانية، و«التون كوبري» شمال غرب محافظة كركوك.
وعلى الرغم من التقرير المختصر الذي قدمته الاستخبارات الأميركية للكونغرس في جلسة علنية في الـ13 من شباط الماضي، بأن ثمة «خطراً جدياً ومتزايداً، متمثلاً في إمكانية قيام مجموعات مسلحة بهجمات على أهداف أميركية في العراق، انطلاقاً من إيمانها بأن الوجود الأميركي لم يعد مطلوباً، وسعيها إلى تكريس السيادة العراقية». فإن الولايات المتحدة ماضية في الاحتفاظ بوجودها وتعزيزه وتوسيعه تحت عناوين التدريب وإعادة بناء القوات العراقية وإعادة الإعمار، بالرهان على تمويل هذا الوجود من الدول الخليجية التي بات النفوذ الإيراني هاجساً في السياسات التي يتبعونها.
وبحكم انتشار القوات الأميركية في محيط أماكن انتشار ونفوذ قوات الحشد الشعبي. فإن احتمالات وقوع صدام عسكري بين القوات الأميركية وقوات الحشد الشعبي، كبيرة. وهو أمر وارد جداً، ولا يتطلب أكثر من تجاوز أميركي، يمنح قوات الحشد الشعبي فرصة لرد قاس. ومن ثم لا مستقبل في استمرار بقاء القواعد الأميركية في عموم العراق، تحت أي صيغة كانت، وخاصة أن ملف الوجود العسكري الأميركي سيكون حاضراً وفاعلاً سياسياً وإعلامياً في حملات الانتخابات التشريعية المقررة في الـ12 من أيار القادم، الذي سيستمر إلى ما بعد تشكيل الحكومة المقبلة.