أشاد بـ«أستانا» و«سوتشي».. وبحث عن دور في مصالحات درعا.. ووعد بتحريك ملف المساعدات الإنسانية في الرقة ومخيم الركبان … دي ميستورا زار موسكو «خاضعاً» والخلاف لا يزال قائماً تجاه لجنة الدستور

| الوطن

كشف مصدر دبلوماسي في موسكو أن زيارة المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا منذ أيام إلى العاصمة الروسية كانت مختلفة عن سابقاتها من حيث الشكل والمضمون.
وقال المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته لـ«الوطن»: إن دي ميستورا جاء إلى موسكو هذه المرة مرتدياً عباءة «الخضوع» وليس «التفاوض» وخص روسيا من دون سواها بزيارته، في حين كانت سابقاً فقط محطة من محطات جولاته على الدول المعنية بالصراع على سورية.
وعن مضمون ما بحثه في موسكو، قال المصدر: إن الروس أبلغوا دي ميستورا أن ما تم التصويت عليه في مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي من قبل مختلف مكونات الشعب السوري هو حتى الآن الحل الوحيد المعتمد والمقبول بالنسبة لدمشق تجاه تشكيل لجنة لمناقشة تعديل الدستور القائم، وأن أي حديث عن لجنة لصياغة دستور جديد لا يزال غير مقبول في سورية، وهناك مفاوضات تجري مع دمشق تجاه التوصل إلى حل قابل للتنفيذ سياسياً ودستورياً.
وأكد المصدر أن طلبات دي ميستورا للضغط على دمشق قوبلت برفض روسي، قبل أن يضيف أن روسيا بعد الانتخابات لن تكون كما قبلها، وأنها ليست بصدد ممارسة أي ضغوطات كبيرة على دمشق في الوقت الراهن، بل تفضل التنسيق الكامل مع القيادة السورية قبل استئناف العملية السياسية في جنيف.
وكشفت موسكو لدي ميستورا أنها بدأت بالفعل التعاون مع دمشق من أجل تشكيل «لجنة دستورية» دون تحديد مهامها في الوقت الراهن، وأن أسماء مقترحة أرسلت إلى العاصمة السورية ويتم تبادل الآراء حولها وحول اختصاص كل عضو من أعضائها، ومهامها وشكلها وآلية عملها وصلاحياتها، وأنه لن يكون للمعبوث الأممي أي دور في تشكيل هذه اللجنة على أن يحتفظ بدوره كـ»مسهل» للمحادثات وقد يسمح له باختيار عدد محدود جداً ممن يمثلون المنظمات المدنية المشاركة في مسار جنيف التفاوضي.
ويوم السبت الماضي، أعرب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة في جنيف غينادي غاتيلوف، عن أمله في أن تتمكن موسكو قريباً من تسليم المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، قائمة أعضاء لجنة الدستور السوري المحتملين، وذكر أنه يجري بحث القائمة مع الحكومة السورية، وأضاف: «نأمل في أن تنجز عملية التنسيق في القريب العاجل وأن يتم تسليم القائمة للموفد الدولي لكي يتمكن من مواصلة جهوده بشأنها»، مشيراً إلى أن دمشق استلمت القائمة المذكورة، وسيتم تسليمها لـدي ميستورا، دون أن يكشف غاتيلوف إن كان المقصود باللجنة لصياغة دستور جديد أو مناقشة تعديلات يمكن إدخالها على الدستور القائم، كما تم التصويت عليه في سوتشي.
وأضاف المصدر الذي تحدثت إليه «الوطن» في موسكو، أن دي ميستورا طلب من الخارجية الروسية أن تنقل إنجازات سوتشي إلى جنيف وأن يسمح له بالإعلان عن هذه اللجنة وأعضائها من المدينة السويسرية، فوافقت موسكو مشترطة الحصول على موافقة دمشق تجاه هذا الأمر تحديداً، وتجاه تشكيل اللجنة ومهامها.
وطلب دي ميستورا وفقاً للمصدر مساعدة موسكو لتسريع العملية السياسية مبدياً استعداده لقبول كل المقترحات السورية والروسية التي يمكن أن تدعم تقدم «جنيف».
وتحدث المصدر عن إشارات جديدة بدأت تصدر عن دي ميستورا تجاه روسيا، إذ لأول مرة أشاد بنتائج مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي، في حين عمل لوقت طويل على تخريبه والتشويش عليه قبل انعقاده، وقال دي ميستورا لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: نريد أن نرى تنفيذا ملموساً لمخرجات سوتشي الهامة للغاية في جنيف! إلا أن الخلاف لا يزال قائماً بين التفسير الذي يريده دي ميستورا لهذه اللجنة تجاه صياغة دستور جديد، وبين دمشق التي لن تقبل بأي دستور يفرض عليها من الخارج وتلتزم بما تم التصويت عليه في ختام سوتشي لتشكيل لجنة لمناقشة الدستور الحالي حصراً.
كما أشاد المبعوث الأممي بجولات أستانا التي رسخت «خفض التوتر» وسمحت ببناء «الثقة» بين مختلف الأطراف، علماً أنه قاطع آخر اجتماع لأستانا، وطلب من موسكو أن تساهم نتائج أستانا وسوتشي في تقدم مسار جنيف وإنجاحه، ملحاً في الوقت ذاته على أن الوقت الآن هو الأنسب لإعادة إطلاق المسار السياسي لحل الأزمة في سورية.
وفِي الملف الإنساني، وجه دي ميستورا عدة أسئلة تجاه ما يجري في الغوطة الشرقية، فقدمت له موسكو شرحاً واسعاً حول عمليات الإجلاء التي يقوم بها الجيش العربي السوري والمنظمات الإنسانية المحلية، ووجه المسؤولون الروس بدورهم عدة أسئلة تجاه صمت دي ميستورا ومجلس الأمن الدولي عن الكوارث الإنسانية في محافظة الرقة التي تم تدميرها بالكامل، وحول مخيم الركبان الذي لا يتطرق إليه أحد وبحاجة إلى كل المساعدات الممكنة، فوعد دي ميستورا بالبحث في هذه المسائل وإثارتها في مجلس الأمن الدولي.
وطلب دي ميستورا من الجانب الروسي إن كان هناك إمكانية لتجنيب درعا معركة عسكرية وإيجاد حل لـ«المسلحين» فيها وإن كان هناك أي دور يمكن له ممارسته من أجل التوصل إلى حل سلمي يخرج الإرهابيين من عدة قرى في درعا، فكان الرد الروسي أن هناك مفاوضات قائمة حالياً مع الفصائل الإرهابية ومع العواصم التي تدعمها.
وكان لافتاً وفقاً للمصدر الذي تحدثت إليه «الوطن» تكرار عبارات دي ميستورا التي تتطرق إلى وحدة وسلامة وسيادة الأراضي السورية في حين كان يحذر منذ أيام من «تقسيم كارثي لسورية» ما لم يتم الاستعجال في الحل السياسي.
وختم المصدر بقوله إن زيارة دي ميستورا الأخيرة إلى موسكو كانت فعلاً مختلفة عن سابقاتها بالشكل والمضمون، وأن المبعوث الأممي يشعر بأن الانتصار العسكري الذي تحقق في الغوطة سيكون له انعكاسات كبيرة على مسار جنيف، وخاصة بعد إقرار السعودية بهزيمتها في سورية، ما يعني أن وفد الرياض الذي كان يدعمه دي ميستورا باستمرار، بات بلا صلاحية وبلا دور، وإن اللجنة التي سيتم تشكيلها لتعديل الدستور السوري الحالي، هي التي ستضم الوجوه والشخصيات المعارضة التي ستتفاوض مع الدولة السورية دون سواها.
وأقر مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي بالتصويت تشكيل لجنة لدراسة تعديل الدستور السوري القائم، ونتيجة المباحثات بين سورية وإيران وروسيا تم التوافق على أن يكون ثلثا أعضاء هذه اللجنة من الدولة السورية والمعارضات الداخلية وممثلين عن الشعب السوري، وثلثاً من المعارضة المتواجدة قي الخارج باستثناء معارضة الرياض التي قاطعت سوتشي، وخلال المحادثات تم منح دي ميستورا حصة بسيطة داخل هذه اللجنة، ومن الثلث المخصص لمعارضة الخارج، يختار فيها أعضاء من المجتمع المدني والمنظمات التي كان سبق أن دعاها إلى جنيف لتمثل في هذه اللجنة.
وختم المصدر أن المفاوضات القادمة وما سيبحث في القمة الثلاثية المرتقبة غداً بين قادة إيران وروسيا وتركيا سيكون هدفها التوصل إلى اتفاق بين هذه الدول الراعية تجاه مستقبل مناطق خفض التوتر أولاً والاحتلال التركي للأراضي السورية، وتجاه مستقبل مفاوضات جنيف ومصير اللجنة الدستورية التي لا تزال موضع خلاف بين مختلف هذه الدول.