من دفتر الوطن – عودة الأبناء

| زياد حيدر 

قريبا، أو قريبا جداً سيقرر الكثير من الأبناء العودة. كثر كانوا اتخذوا قراراً في العام 2010، مع ظهور علامات الازدهار في سورية. كانت الغربة التي فرضتها ظروف مختلفة، أو حتى كانت اختيارية للبعض، بدأت تفقد ميزاتها، وتميل بها الكفة لمصلحة البلد الذي كان يرتقي، في مجالات التعليم والاقتصاد والفرص الاستثمارية. في ذلك الوقت، كان سهم البلاد يشق السماء، وكان الأفق واسعا، والأرضية بدت صلبة، لأولئك الراغبين في استثمار أبنائهم في بلدانهم، وتوجيههم بين أبناء جلدتهم، ناهيك عن إمكانية الادخار هنا بالمقارنة مع الغرب، والعودة لحضن الأهل.
وكان من بين أبرز دعائم العودة حينها، ظهور تجارب تعليمية مبتكرة وحديثة هنا، وإن اقتصرت فعليا على دمشق وفشلت في المدن الأخرى. نشوء مدارس وإن كانت خاصة، ومكلفة بالمعيار السوري، شجع كثراً على إجراء المقارنة الاقتصادية، والتعليمية والاجتماعية، بين كلفة البقاء أو العودة، وبعضهم اتخذ القرار سريعا بالرجوع، خصوصاً حين تبين أن كثيراً من المدارس تعتمد اللغة الإنكليزية بشكل أساسي في منهاجها التعليمي.
وبالطبع انتفت أسباب العودة مع بداية الأزمة ومن ثم الحرب. بعد ذلك، أصبحت عوامل البقاء والإعداد لمستقبل مديد في الغربة هي الأساس، ودخلت سورية في تلك المتاهة الدموية.
الآن، مع أمارات الخلاص، غير المكتمل بعد، يداعب حنين العودة المخيلات. الأسباب مرة أخرى عديدة، من بينها تحسن الوضع الأمني، وإمكانية الاستثمار الاقتصادي في مجالات إعادة الإعمار الكثيرة، والعمل مع المنظمات الدولية، إضافة لاستنزاف الرصيد المالي، والرغبة في وضع حد لحالة الاغتراب العائلي والفردي.
لكن من بين أهم المعوقات، التي تبرز لهؤلاء الراغبين بالعودة والاستقرار، هو العائق التعليمي. طبيعي أن التعليم تراجع في سورية، كحالة عامة ولاسيما في المدارس الرسمية، وهو نتيجة طبيعية للحرب، كما تراجعت المدارس الخاصة أيضا، لأسباب مفهومة هي الأخرى.
ورغم أن مدارس قليلة حافظت على مستواها الممتاز، إلا أن الحالة العامة هي الحالة السلبية لا الإيجابية. ولكن في موضوع عودة المغترب، الذي أفترض أن الدولة تشجعه، لا العكس، تبقى المعضلة الأساسية هي في حل معضلة الأولاد، الذين من تجارب شخصية وعامة، تأقلموا مع نظم التعليم الغربي، وضعف مستواهم في اللغة العربية، تناسباً مع تحسنه بلغة البلد الذي اغتربوا إليه.
وفي بلد كبلدنا يعتز بأصوله القومية العربية، وتشكل اللغة بالنسبة لسياسته عمود التعليم الرسمي، من دون الإشارة للمواد الأخرى كالقومية الاشتراكية والديانة، وغيرها من المواد النظرية، يصبح اختيار الرجوع النهائي صعباً.
عقول أولادنا غير عقولنا. وجيلهم غير جيلنا كما نحن غير من سبقنا. دعوة أولادنا كباراً أم صغاراً، للعودة لحضن الوطن، يجب أن تبحث علمياً لا أن تبقى دعوة رومانسية.
منذ سنوات بعيدة، قبل الحرب، جرى نقاش في جلسة خاصة حضرتها عن سبل تسهيل عودة المغتربين المميزين، وعائلاتهم، وذلك في إطار إغراء المواهب المهاجرة بالعودة. كان موضوع المدارس هو العقبة الرئيسية، حينها وما زال. لا قوانين الاستثمار ولا فرصه.
التعليم، ما زال في بلادنا غير مغر. والتفكير في إنشاء مدارس للمغتربين، بنظام تعليمي جذاب معترف به دولياً، غير تقليدي، وبأكثر من لغة تدخل ضمنها العربية، هو من أقصر الطرق، لإغراء من يرغب في استعادة حياته هنا. وبالمناسبة المشروع تجارياً رابح أيضاً.