ما وراء اللغة

| بنت الأرض

في خضّم استباحة القوى الاستعمارية الغربية لثروات وسيادة وسلامة البلدان، تقوم أيضاً بانتهاك قدسية اللغة ودورها الأساسي الذي وُجد من أجل التعبير عن الحقائق ونقلها إلى المستمعين والمشاهدين. ما نشهده اليوم وبشكل متسارع هو تجاهل للحقيقة والواقع، وجرأة غير مسبوقة في استخدام اللغة بشكل أساسي لترويج الأكاذيب، والتضييق على كلّ ما يمكن أن يلقي الضوء لكشف هذه الأكاذيب، وتحويلها إلى نفايات التاريخ. وأصبح هذا الاستخدام دارجاً على ألسنة رؤساء ووزراء وسفراء من دون خجل أو خشية على مصداقيتهم، وصورتهم في أذهان الناس. فالمتابع للشأن السياسي يكاد يحار من تصريحات الرئيس ترامب، والتصريحات المعاكسة من وزارة الخارجية والبنتاغون والكونغرس، حيث أصبحت تصريحات هؤلاء المسؤولين لا قيمة لها في أنظار السامعين، لأن ما يقومون به على الأرض يتناقض وبشكل جوهري مع ما يعلنون عنه في وسائل الإعلام. فمنذ اليوم الأول لدخولهم غير الشرعي إلى سورية وهم يتذرعون بمحاربة داعش، وقد أصبح واضحاً اليوم أن حساباتهم لا علاقة لها بمحاربة داعش، وهي من الواضح أنها أداتهم الإرهابية في الحرب على سورية، بل إن التصريحات الأخيرة تُري أنهم يتخذون من داعش أداة لإطالة أمد عدوانهم واحتلالهم، وترسيخ قواعدهم الغازية على أرض ليست أرضهم، وفي ديار ليست لهم. كما أن اللغة التي تمّ استخدامها من الإعلام الغربي حول معاناة أهل الغوطة، والظروف الإنسانية الصعبة التي يتعرضون لها سقطت سقوطاً مروعاً عندما تمّ تحرير الغوطة الشرقية (أو معظمها)، وخرج أهالي الغوطة لنرى أنهم لم يعانوا من نقص في الغذاء أو الماء، (فالمستودعات كانت مليئة بالماء والغذاء والأسلحة الغربية)، ولكنهم كانوا عرضة لممارسات لا أخلاقية ولا إنسانية من الإرهابيين الذين كانوا يتلقون الدعم من الدول الغربية والخليجية. وفي الوقت الذي خرج مئات الآلاف من أهالي الغوطة كانت الحكومة السورية ومنظمات الأمم المتحدة الموجودة في دمشق الوحيدين الذين سارعوا لتوفير ما يحتاجه هؤلاء من خدمات معيشية وطبية. وفجأة صمتت كل الأبواق الغربية، وغابت عن المشهد من دون أن تبدي أقلّ اهتمام بمعاناة النساء والأطفال والحالات الشاذة التي تعرض لها هؤلاء، والتي تتنافى مع أبسط القيم الدينية والأخلاقية. فلم نسمع كلمة واحدة، ولم نقرأ سطراً واحداً عن همجية أدواتهم الإرهابية، وانفلاتهم من كل الأطر الأخلاقية والدينية، ولم تصلنا إدانة واحدة لجرائم هؤلاء الإرهابيين الذين كانوا منذ أيام فقط محطّ اهتمام منقطع النظير من هذه الدول الغربية، والاستعمارية ذاتها. والحديث ينطبق أيضاً على ما أدلى به وزير الخارجية البريطاني في قضية الجاسوس المزدوج سكريبال، حين أكد أن المنظمة المختصة أكدت أن السمّ من روسيا لتنتهي مخابر المنظمة إلى القول: لقد تعرفنا إلى نوع السمّ ولم نتعرف إلى مصدره، وأيضاً لتقوم الولايات المتحدة، وبعض الدول الغربية بفرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا بمسوغات وحجج واهية، فقط لأن روسيا تتبع إستراتيجية ذات مصداقية تحقق لها موقعاً متقدماً متصاعداً كقطب عالمي جديد. لقد حول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خصماً تاريخياً مثل تركيا إلى طرف يفاوضه في الكثير من القضايا، ويتوصل معه إلى اتفاقات مشتركة. لا بل وأنّ هذا الخصم قد بدأت الخلافات العميقة، والجذرية تظهر بينه وبين دول أوروبا مثل فرنسا وألمانيا، وأيضاً بينه وبين الولايات المتحدة الأميركية. الظاهر في أقوال ودعايات الدول الغربية لا علاقة له بواقع الحال، لأن واقع الحال يُري أنهم ينظرون بعين الريبة، والخوف إلى التمدد الروسي في الشرق الأوسط وإلى التقدّم في الصناعات العسكرية الروسية، والتقدم الهائل في الاقتصاد الصيني، وقدرة هذه الدول على خطّ مسارات حقيقية لا تنتهك حرمة ومصداقية اللغة من خلالها، بل تستخدم لغة متناسقة جداً مع واقع الحال، وبذلك تكتسب مصداقية أكبر وأكبر في أعين الناس، بمن فيهم الناس الغربيون. علّ أحد أهداف هذا التهويل الإعلامي ليس فقط التغطية على قوة روسيا، والصين المتصاعدة وإيهام العالم أن الولايات المتحدة، وبعض الدول الأوروبية مازالت تمسك بزمام الأمور بل قد يكون أيضاً تمرير صفقة القرن، وإلغاء حق العودة، وإيهام العرب والعالم أن هذه الصفقة هي قدر لابدّ منه. ولكنّ الحقيقة الأكيدة هي أن الغرب يمرّ في لحظات ضعف تاريخية مشهودة وموصوفة، ولو أن هناك صوتاً عربياً، أو فعلاً عربياً مرموقاً ومحسوباً لما تجرأ الغرب وربيبته إسرائيل على ذبح الشباب الفلسطيني على معابر أرضه، ولما تجرأ على خنق طفل فلسطيني في أبشع صور الجرائم العنصرية التي شهدتها البشرية. لقد سارعوا بعد هذه الجريمة النكراء إلى محوها من اليوتيوب والفيسبوك والغوغل، وأنا أسأل: أوليست هذه الأدوات متاحة لملايين الشباب العرب الذين يمكن لهم أن يستخدموا هذه الوسائل لتعرية الجرائم الصهيونية العنصرية والعمل من منطلق أن المستقبل لنا، وأنّ كل ما نراه من جنون ضد روسيا والصين وإيران وسورية والفلسطينيين هو نتاج الشعور بالضعف وليس من علائم القوة؟ ألا يمكن لنا أن نتعلم من الأسلوب الروسي والصيني بمواجهة الأمور بثقة وثبات ومتابعة إلى أن تبلغ الأمور منتهاها، وإلى أن نصمّ آذان العالم بالقصص عن ممارساتهم العنصرية، والجرائم الوحشية التي ترتكب ضد شعبنا ممهورة بأكاذيبهم، وإلى أن نعيد للغة اعتبارها ومصداقيتها، وللإنسانية كرامتها ورونقها.