«رجل الثورة» بنى على الواقع واستشرف الحدث … الفيلم فضح فبركة استعمال الكيماوي في الغوطة وبعد شهر على عرضه الفبركة تتكرر

| نهلة كامل

اختارت السينما السورية تقديم الجانب الاجتماعي والإنساني والوطني، للحرب المستعرة منذ سبع سنوات، قضيتها كانت واضحة ومدروسة وباقية حيث لا تتجاوزها الأحداث المتغيرة التي تعيشها الحياة السورية.

حضور دائم
استطاعت أفلام المؤسسة العامة للسينما أن تستلهم الواقع، وتعيد إنتاجه فنياً من دون الدخول من بوابة التزوير والفبركة الإعلامية والدعائية التي تسيطر عادة على الفن وهو يشن حملة مضادة. دليلنا إلى هذا الأفلام الرفيعة المستوى التي شاهدناها مثل: «سوريون» و«الأب» لباسل الخطيب، «أنا وابنتي وأمي وأبي».. و«طريق النحل» لعبد اللطيف عبد الحميد، و«مطر حمص» و«رجل وثلاثة أيام» لجود سعيد، و«حرائق» لمحمد عبد العزيز، و«رد القضاء» والآن «رجل الثورة» لنجدة إسماعيل أنزور.
وأكتب عن فيلم «رجل الثورة» بعد عرضه الخاص ثم عرضه الجماهيري، دون أن يتجاوزني التوقيت، لأنه فيلم يثبت حضوره الدائم في ظل الحرب السياسية والإعلامية على سورية، فحين بدأ عرض الفيلم منذ حوالي شهر كانت سورية تتعرض لتهديدات واتهامات باستخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة. والآن عادت الأوساط نفسها إلى اتهاماتها بعد تحرير الغوطة الشرقية، وعادت فبركة التهمة ضد سورية..
أهمية تناول فيلم «رجل الثورة» متجددة، ما جعله نموذجاً لدخول السينما السورية في عمق القضايا الإنسانية السورية، فلا يتجاوز أهميته حدث أو زمن.

مختبر أنزور- يوسف
يقدم فيلم «رجل الثورة» أحد الوجوه الحقيقية لفبركة قضية استعمال سورية للأسلحة الكيماوية، هو يبني على أحداث واقعية، وليس فيلماً وثائقياً بالمعنى التقليدي للسينما والإعلام، بل جزء من مسيرة طويلة للمبدع الكبير نجدة إسماعيل أنزور في حربه ضد الظلامية والإرهاب والتطرف، قبل وبعد بدء الحرب على سورية وكأنه كان دوماً يستشرف الواقع العربي، ويكشفه الآن، مسيرة انسجمت مع الثقافة العلمانية والتنويرية والإنسانية، وكرست حضورها لتكون عقيدة وطنية بعد الحرب على سورية.
ولابد من التأكيد على ذلك التكامل الفني والوجداني بين مبدعين كبيرين أنتجا هذا العمل السينمائي الجديد، وهما الكاتب المبدع حسن. م. يوسف والمخرج الكبير نجدة إسماعيل أنزور، حيث إن تعاونهما اللافت منذ مسلسل «نهاية رجل شجاع» منذ أكثر من ربع قرن مروراً بأعمال درامية مهمة ورائدة، حتى فيلم «رجل الثورة» أخيراً، ليس إلا المشاركة في مختبر فني ثنائي طالما جمع المبدعين تحت عناوين الرؤية الفكرية والموقف الوطني التحرري.
حدث يجري إلى حتفه

يبدو فيلم «رجل الثورة» للمشاهد والمتابع عملاً سلساً وسهلاً، يتركز حول حدث واحد، ولا يتوزع في جوانب متعددة، حبكته تعتمد على العرض والتنامي حتى الذروة، وهذا هو أحد أسرار متابعة «رجل الثورة» وهو يتتابع منطقياً في عمق الشخصيات: سلوكها وأهدافها، حتى الوصول إلى ذروة الحدث وهي استعمال السلاح الكيماوي ضد الإنسان السوري المدني وفي الغوطة الشرقية على وجه الخصوص.
وتضيف «وحدة العمل» بين المبدعين أنزور ويوسف قيمة خاصة حيث تتقاطع اللغتان الفنية والفكرية لهم داخل كادر سينمائي واحد كثير المعاني واضح الرؤية واقعي الأبعاد طالما اتحد داخله أنزور ويوسف لتقديم عمل لا يتجاهل أهمية الحضور الجماهيري المتقدم.
لقد كانت الأعمال الدرامية المعتمدة على بطل- إيجابي أو سلبي- واحد وحدث متنام ومتفاقم حتى النهاية، أحد الأساليب الدرامية المكرسة في تاريخ السينما والدراما منذ عهدها اليوناني، لكن أهمية رؤيتها التي تبدو أحياناً سهلة ومباشرة، اعتمدت على مدى انعكاس الحقائق الإنسانية في وحدتها الدرامية ومنطقها وحدثها السريع الوحيد الذي يجري أحياناً إلى حتفه كما يقدم فيلم «رجل الثورة».

رجل الإرهاب الإعلامي
يمثل الصحفي الأجنبي جون ريلي البطل الشرير والسلبي في تراجيديا «رجل الثورة» الذي يقوده سلوكه المجرم وطموحاته الصحفية الشخصية إلى تزوير المشهد الواقعي والحقائق الإعلامية، حيث استحق أن يكون رجل المجموعات الإرهابية المسلحة في الغوطة الشرقية، وتهكماً: رجل الثورة.
جون ريلي «رجل الثورة» لم يأت من فراغ، لكن فيلم أنزور- يوسف لم يشتت المشاهد في جوانب سياسية ووثائقية لخلق الحدث «بل استطاع أن يختصرها ويجسدها في شخصية سلبية واحدة قدمت صورة المرتزقة وصيادي الفرص في الإعلام، خاصة.
وينجح فيلم «رجل الثورة» في تصوير ملامح الشخصية الأخلاقية المهنية للصحفي ريلي حيث هو انتهازي لا يؤمن بالحقيقة، بل بالكذبة الإعلامية، التي يمكن أن «تلف العالم» لتصبح حقيقة، وليس في تكوين ريلي مكان للضمير المهني بل قناعة بأن حرب الإعلام قادرة على تدمير الواقع وتغيير وجهات النظر. اهتمامه الأساسي يتركز على ما يمكن أن يحصل عليه من ثروة ومجد شخصي في مهنة الإعلام.
ويسير جون ريلي في «رجل الثورة» وإلى جانبه شخصيات تعاونت معه وتداعت لتحقيق كارثة استعمال الأسلحة الكيماوية على المدنيين في الغوطة الشرقية الواقعة تحت سيطرة الجماعات الإرهابية المسلحة.. حيث تكون البداية بدخول ريلي إلى سورية من عرسال وبوساطة امرأة جميلة- تجسدها الفنانة اللبنانية ميرفا القاضي- حيث هي صلة وصل بين الخارج الدولي والداخل الإرهابي في سورية.
ويقدم «رجل الثورة» أيضاً الملامح الإنسانية للمرأة الجميلة التي تستثمر الحدث السياسي من دون أي وازع إنساني، ولا أخلاق شخصية، وعلى الرغم من أنها امرأة تبدو حديثة ومتحررة، قد لا نربط عادة بين مظهرها الخارجي وسلوكها الداخلي المتعاون مع التعصب والتطرف والإرهاب، لكن ما يجمعها مع جون ريلي هو أنها أيضاً صائدة فرص تعيش لحظتها الخاصة: المادية والجسدية فقط، وهي تقيم علاقة عابرة مع ريلي وتدير له ظهرها، حيث الحياة بالنسبة لها جملة من استثمار المواقف، وهي تمثل أيضاً أخلاق جون ريلي والمتعاونين معه حتى الوصول إلى قمة التراجيديا الكارثية.
يدخل ريلي إلى سورية حتى الغوطة الشرقية، من معابر ترابية، ويلتقي أحد أمراء الجماعات الإرهابية المسلحة التي تسيطر على المدنيين وتستعملهم بشتى الطرق في حربها على سورية، وتبدأ العلاقة بين رجلين يستثمر كل منهما الآخر لمصالحه الشخصية والإرهابية.
ويتضح أن الظروف مناسبة، لعمل ريلي، لتقديم صورة مزيفة عن الواقع ضمن التسهيلات الميدانية التي تقدمها المجموعة الإرهابية على أرض الغوطة الشرقية- وخارجها في أبعاد العلاقات المهنية والدولية، وضمن دائرة تعمل على شن الحرب على سورية، من دون أن تظهر هذه الأبعاد مفصلة في الحدث السينمائي.
ويقدم ريلي في البداية على استخدام المدنيين في الغوطة، تحت إشراف أمير الجماعة الإرهابية، حيث يرسم على وجوههم وأجسادهم آثار القصف والإصابات الخطرة ينشرها في الخارج بترحيب إعلامي كبير على أنها أفعال الجيش العربي السوري، وإذا لم يكن هذا كافياً كي ينال جائزة دولية كبيرة على تغطية الحدث في سورية، فإن عقله المجرم وسلوكه الإرهابي- أيضاً، يتوافق مع أهداف أمير الإرهاب المسلح حتى اقتراح استعمال الغازات السامة على المدنيين في الغوطة وتصويرهم لاتهام سورية بهذا الفعل كي يصل إلى الحصول على الجائزة الدولية… وهكذا كان.
وهكذا يصل فيلم «رجل الثورة» إلى ذروته التراجيدية الإرهابية بعد حصول أمير الإرهابيين على الغازات السامة من أسياده في الخارج- هنا تركيا- وبهذا تتحقق جهود دائرة دولية كاملة- لا تظهر على الشاشة- لكنها تصبح واضحة في ضمير الفيلم، وأهمية «رجل الثورة» أنه يقنع المشاهد أن المجزرة الكيماوية وما سيتلوها من اتهامات دولية لسورية وصلت في أحيان سابقة إلى شن ضربات عسكرية على مواقع مدنية وعسكرية ليست فقط نتائج عمل صحفي واحد، بل إن التهمة يجب أن تتوزع على دوائرها الواسعة، وإن كانت بالنهاية تعتمد على فقدان الأخلاق الإنسانية، واستخدام الإجرام والإرهاب لتقديم المسوغات وإعطاء أعداء سورية ورقة جاهزة دائماً، لشن حربها السياسية والعسكرية ضد سورية متى أرادت؟!
استطاع فيلم «رجل الثورة» الإضاءة على الأبعاد الحقيقية والوثائقية الخافية من الحرب على سورية، من دون مباشرة لكن ما أبدعه من شخصيات درامية على رأسها الصحفي «جون ريلي» هو ما يجعل الفيلم إضافة إلى الأعمال السينمائية السورية التي قدمتها مؤسسة السينما، وما جعل تعاون المبدعين المخرج نجدة أنزور- والسيناريست حسن. م. يوسف أعمالاً تأخذ أبعادها الإنسانية والسياسية من دون افتعال في خصوصيتها الفنية وبعدها الجماهيري، حيث الدخول إلى الواقع من باب السلوك والنفس البشرية عمل قد يبدو مألوفاً وسهلاً لكنه أكثر الأساليب تأثيراً وبقاء.
تبتعد عن فيلم «رجل الثورة» بالزمن، لكنك ستجد رؤيته أمامك دائماً، فالسينما المتقدمة لا تجلس في الخلف.