هنا دمشق.. لا مكان للآبق .. أنت الخلد الذي لا ينال منه رعاة البقر مهما فعلوا دمشق وهل مثل دمشق؟

| إسماعيل مروة

إنها سورية.. وإنهم فتية سورية..
من العلياء جاؤوا.. وإلى العلى والمجد سعيهم..
في عتمة صوفي يدلف إلى روحه.. وفي سكون قلق.. وفي لحظة ترقب.. الحسناء في خدرها
ودمشق تفتح عينيها لحلم الغد.. تبحث عن حياة ورغد..
والطفل يلوب عن صدر أمه..
في هدوء يخيم ويحمل سكينة وطن وتسليم
يعتدي القوي.. والوطن وحده يرجّ الأرض
يتحدى العنف والقتل والدمار
ليست بطولة أن ينقضّ القوي على الهادئ
ليست خسارة أن يغلب الحمق حكمة
ودمشق تضيء بنور أزلها.. ترنو إلى أبدها
دمشق التي كانت قبل قابيل وهابيل
فكانت ملاذاً.. لم يجد ابن آدم أرحم من دمشق فلاذ بها..
الغراب الأسود في دمشق تعلم قاتل أخيه كيف يواريه..
دمشق الحب والرحيق
خلد جلجامش، وعشق كيوبيد
مطمع الرومان، ومنارة الأموي
عروس المآذن، وناقوس يسوع
دمشق التي احتضنت شاؤول وأخرجت بولس
دمشق التي سكبت رحمتها في قلب أبي عبيدة
دمشق ما قبل التكوين
دمشق ما بعد قيامة
وحدها يقرفص ولدها على حجر يرقب الحقد ويبتسم
يتابع البارود ويوقن أنه منطمر في طهر ترابها
وحدها لا تعرف دنساً
وحدها تبقى على التاريخ وما مرّ أحد بطهرها
أنجبت عشرة آلاف سنة وبقيت بتولاً طاهرة
مرّ فيها الحاقدون.. تطهر من تطهر.. ورحل من رحل
أيا شام البقاء… أيا دمشق الخلود
أيا مدينة الافتداء
كل اللهب لن يطال أطراف شعرك
سيعجز اللهب عن أن يفعل شيئاً
بنفسك أنت العظمة والبقاء
لست بحاجة لمن يحمي رموش عينيك
لست بحاجة لولد عاق
لا تكترثي بصديق مجامل!
تدركين أنك طهر بذاتك وبقاء على الزمن
بل يلوذ الكون بك..
فعبر أثيرك كنت بغداد
وعبر حدودك كنت بيروت
وفي صوتك كنت القاهرة..
هنا بغداد من دمشق، وهنا بيروت
وهنا القاهرة من دمشق
كنت قبل التكوين.. وقاهرة المعزّ ابنتك
وعلى طريق تجارتك وحضارتك صنعت مكة وحفظت محمدها
وفي أذرعات نثرت النور وأرسلت الغمام..
كم قلت: هنا…. وعدّدت المدائن؟!
كم احتضنت… ولم تجدي صدراً؟!
وكم أخلصت… ولم تجدي غير حاقد يغار من حسنك؟!
سكنوك
شربوا ماءك
تجولوا في غوطتك
نعموا بهدوء ليلك
وحين اقترب اللهب أحضروا آلات تصويرهم
وراحوا يرقبون ما زعموه احتراقاً…
كنت تتألمين.. لكن بنوك لم يكفوا عن الحركة.
دمشق لا تنام
دمشق لا تبكي..
كنت صوت الحواضر المنتهكة..
وحين أراد الشذاذ حرمانك الصوت..
لم تطلبي صوتاً
ولم يهرع إليك صوت
لم تطلبي ممن كنت صوته أن يفعل فعلك، فهو أعجز!
هو أجبن!
هو أكثر حقداً!
مجدلية أرادوك لينالوا منك وما استطاعوا..!
أرادوك بحديث من الإفك فكنت طهر الأم.. وأماً للمدائن..
غطوا في موت، وانتشرت في حياة هي الملحمة..
كنت تهرعين لتقولي: هنا القاهرة
واليوم هرعوا لتصوير فزعك، فما رأوا غير ابتسامتك
وكان الآبق المبحوح
وكان أبو رغال
يهذي.. يزغرد
ليس هذا وحده في دمشق
هناك حُسن في قبابها
هناك قوة في مغاراتها
كان الآبق سعيداً يدل على محاسن دمشق
وكان أبو رغال يقود الأشرم والأعرج والشمطاء
يدلهم على ما يظن أنه يعرفه عن دمشق
لم يدر أن دمشق ليست أمه
وأنّ أمه حملت به سفاحاً
ألقته أمام مسجد
تركته أمام كنيسة
ولأنك دمشق أعطيته رحمة
دفعت له من اعتنى به
لكن دم السفاح أزهر في عهره..
يتحدث، يبتسم، ينتشي، يدل على دمشق الحرام
وحين أصبح الصباح
كنت دمشق الابتسام الذي لا تشوبه شائبة
وكنت الخلد الذي لا ينال منه رعاة البقر مهما فعلوا
دمشق وهل مثل دمشق..
يأتون ويرحلون وأنت وحدك منارة الأبد
حتى من ظنوا أنهم بنوك وما هم كذلك
سيلتهمهم جوع العهر بعد أن عجزوا عن طهرك
تعلموا من علمك.. شربوا من مائك
تغذوا من حليبك
وحين عجزوا عن حبك طفح الحقد فيهم
في فكرهم.. في صوتهم.. في وجوههم
وكانوا عراة دون أن يدركوا
لم تُغطِّ الأطقم الرسمية عوراتهم
لم تستر ربطات العنق عهرهم
كانوا آبقين والآبق لا أم له..
كانوا كأبي رغال.. وسيرجمون إلى يوم القيامة
والقيامة أنت من يحددها
والأماكن أنت عبقها وبخورها
هنا دمشق
هنا سورية
رحلة تبدأ بشامة شام وتنتهي بمعشق دمشق
فيها البداية وهي النهاية
حين أشرقت الشمس
كانت رايتك ترفرف وتخفق فوق قاسيونك
وكان العابد يرقب دمشق
لا يراها..
كانت من السحب أعلى
وكانت من قبة السماء أدنى
وكل ما أراده لها كان برداً وسلاماً
ينسفح على تراب قدميها
وقدماها تنزان عزة وعطراً للغد القادم
فيك وحدك يبتدئ الزمان غداً
ولا ينتهي الأمس فيك..
هنا دمشق.. كنز ألوهة وعظمة
بقاء وتجذر
وتلوح غرتك النبيلة العظيمة
وينفخ ابنك في زجاج معشق بالحب والدم..
وينسج ابنك البروكار.. ويبدع الدامسكو..
ومن أزقتك يخرج النور
حيث لا أشرم.. ولا أعرج
ولا شمطاء
حيث تصل طلائع أبي عبيدة
وحيث تصل رسالة بولس…
ينهمكون في البحث عن مكاسبهم في رحلة العودة
وتجهدين في زرع النور في قلوبهم..
هنا دمشق
هنا كل المدائن التي ما عرفت الموت
هنا الإنسان المتجذر الذي لا يغادر حتى بالموت..
نلوذ بك يا دمشق لتطهيرنا من الآبق وأبي رغال
نلوذ بك لأن ماءك أطهر
وياسمينك أبقى..
وينطمر الحقد ذائباً
وينطمر الحب متعملقاً