تداعيات الضربات الثلاثية

| أنس وهيب الكردي

ظلت الدول الغربية بقيادة واشنطن تقلص عمليتها العسكرية ضد الحكومة السورية إلى أن وصلت إلى أدنى حد لها، وهو الانتقام من تنفيذ الجيش السوري هجوم بسلاح كيميائي في مدنية دوما بحسب المزاعم الصادرة عن العواصم الغربية، وتعمد الغربيون تحييد الروس والإيرانيين وحزب اللـه عن ضرباتهم الجوية معولين على أن رسالتهم الردعية ستصل لتلك الأطراف.
كانت الدول الغربية أمام حاجتين: الأولى تثبيت الردع وميزان القوى بعد سيطرة الجيش السوري بدعم من روسيا وإيران على الغوطة الشرقية بشكل كامل، والثانية رسم خط أحمر يحمي وجودها العسكري في شرقي سورية الذي بات أمام علامة استفهام كبيرة في ظل رفض الدول الضامنة لعملية أستانا: روسيا وإيران وتركيا، بقاء قواتها هناك، ورغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سحب القوات الأميركية قبل انتخابات الكونغرس النصفية هذا العام.
أثار اتفاق الدول الضامنة لأستانا على تحديد مصير الغوطة الشرقية وعفرين، بشكل منفرد، قلقاً كبيراً بين الدول الغربية، التي اعتبرتها خطوة تمهيدية لمزيد من الخطوات الهادفة إلى زعزعة استقرار وجودها في شرقي سورية، الذي تتمسك به لموازنة النفوذين الروسي والإيراني في غربي البلاد والمنطقة عموماً.
إذاً، أهداف الضربات تتجاوز ما أعلنته الدول الثلاث فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، أي «ردع النظام عن استخدام السلاح الكيميائي»، كما أن تداعياتها ستكون كثيرة، ولنبدأ بالأهداف:
لا شك أن الدول الغربية استهدفت من وراء الضربات تثبيت «حقها» في العمل من خارج الشرعية الدولية وآليات مجلس الأمن الدولي عند الاقتضاء، وكلما رأت أن المنظومة الدولية التي رعتها معرضة للخطر، أيضاً، أرادت الدول الغربية استعادة زمام المبادرة عبر الشرق الأوسط بعد أن أدت العملية العسكرية الروسية في سورية إلى بدء تسلل المنطقة من بين أيدي الغرب، حيث طرق العديد من زعماء الدول الشرق أوسطية خلال السنوات الماضية، باب الكرملين من أجل بحث ترتيبات مشتركة في سورية، وبعد الضربة تتوقع الدول الغربية أن تعيد الكثير من دول المنطقة حساباتها حيال روسيا، بعد أن شهدت عرض القوة الذي نفذته واشنطن وحليفتاها بريطانيا وفرنسا.
في القلب من الحسابات الأميركية والأوروبية، الحد من فعالية عملية أستانا لمصلحة بث الحياة في عملية جنيف التي تحتضر منذ شهور، وبقليل من الحظ، دق إسفين قوي داخل مثلث الدول الراعية لعملية أستانا، بالأخص بين روسيا وإيران من جهة، وتركيا، من جهة أخرى. وبالفعل، أيدت أنقرة الضربة ما سيلقي بظلاله على علاقاتها مع طهران وموسكو، لكن الأرجح أن تكتم الدولتان غيظهما من تصريحات المسوؤلين الأتراك، وتسعيان إلى الحفاظ على الود تجاه تركيا. كما استهدفت واشنطن وباريس ولندن، ردع روسيا وإيران عن الاقتراب من شرقي وجنوبي سورية.
أبرز التداعيات ستكون اتخاذ إيران وروسيا مزيداً من الخطوات لتعزيز علاقاتهما وتعاونهما فيما يتعلق بالأزمة السورية، وسعيهما إلى إبقاء عملية جنيف مجمدة، وستعمد روسيا إلى زيادة وجودها العسكري في سورية، وتسريع عملية إعادة تسليح الجيش السوري، وستلجأ إلى تكثيف الاستعدادات لإطلاق عملية الجنوب، ومن المرجح أن تطلب تركيا من شريكتيها في عملية أستانا إعادة فتح باب التفاوض حول إدلب وتل رفعت.