انكسار العدوان

| بنت الأرض

بينما ينهض أهالي دمشق على صلاة الفجر يسبّحون بحمده تعالى، كانت الصواريخ المعتدية الآثمة تشنّ هجوماً غير أخلاقي وغير إنساني من حكومات استعمارية اعتادت شنّ الحروب على البلدان الآمنة المسالمة لتكمل بذلك ما قامت به مرتزقتها من العصابات الإرهابية، ولم تنجح في تدميره أو كسر إرادة الصمود لدى هذا الشعب الذي تماهى مع أرضه ووطنه وقراره المستقلّ. ولنبدأ أولاً بتفكيك أكاذيبهم وادعاءاتهم التي لا علاقة لها بواقع الحال. فالحملة المسعورة حول الكيماوي تسقط مباشرة حين نتذكر أن بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية تصل السبت إلى دمشق لتباشر أعمالها، أي إنه لا دليل أبداً لديهم على استخدام الكيماوي سوى المسرحيات الهزلية المضحكة التي نشروها حول هذا الموضوع. ولا شكّ أن هذا العدوان الموصوف هو جريمة بحقّ دولة مستقلّة عضو في الأمم المتحدة، وهي الدولة الأولى عالمياً في محاربة الإرهاب، وهذا بحدّ ذاته يبرهن بما لا يقبل الشكّ أنهم رعاة الإرهاب وحماته، وأنّ كلّ ما يروّجون له من محاربة للإرهاب هو مجرّد أكاذيب بعد أن برهنوا أنهم السند والمتابع والمموّل والمسلّح للإرهاب الذي يضرب بلدنا منذ سبع سنوات وأكثر. والحقيقة الثانية المهمّة التي نريد أن نسطّرها هنا هي أن الطائرات الحاملة للصواريخ قد انطلقت من قاعدة العديد في قطر، تماماً كما كانت الطائرة الأولى التي قصفت بغداد في عام 2003 من قطر أيضاً، وهذا يُري للمرة الألف الدور المدمّر الذي تلعبه دول الخليج في استهداف الدول والشعوب العربية؛ إذ كانت الطائرة الأولى التي قصفت بغداد في عام 2003 منطلقة أيضاً من قاعدة العديد القطرية وهذا ما يتعمّده خصوم وأعداء هذه الأمة لأنهم يريدون أن يروا العرب يضربون بلدان بعضهم بعضاً لأن الفرقة والخصومة بين العرب هي أقصر الطرق وأرخصها لاستهداف هذه الأمة والقضاء على عوامل قوّتها. ولكنّ الحقيقة الأهمّ، التي يجب أن نسجّلها هنا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، هي أن صواريخه لم تكن ذكية ولا دقيقة، وإذا كان يعتبرها كذلك فإن الدفاعات الجوّية السورية كانت أصدق أنباءً من صواريخه، حيث برهنت على أنها أذكى منها وأكثر دقّة ولذلك عليه توخّي الحذر في تغريداته القادمة، وتوخّي الدقّة أيضاً كي لا يضيف إلى جريمة عدوانه اليوم على سورية، الذي لم يكشف انفلات القوة العظمى من أي منطق قانوني ودولي فحسب، ولكنه كشف أيضاً أن قوتهم، كأكاذيبهم الإعلامية، لا تصمد أمام إرادة الشعوب وروح التحدي المنبثقة من إيمان وطني لا تزعزعه التهديدات. فبدلاً من أن يلجأ الشعب السوري إلى الملاجئ كان على أسطح منازله يراقب دفاعاتنا الجوية تُسقط صواريخ ترامب بالعشرات قبل أن تصل إلى أهدافها على حين هرب مستوطنو الكيان الصهيوني إلى ملاجئهم، وهذا هو الفرق بين صاحب الحقّ والأرض، وبين المعتدي على هذه الأرض وهذا الحقّ.
أمّا عن أهم الأهداف التي قرّر ترامب وزمرته توجيه صواريخهم إليها؛ فكان مركز البحوث العلمي في دمشق، الذي يستقطب خيرة الطلاب السوريين في كلّ عام من أجل تطوير البحث والعلم في سورية. والذي قد يفاخر ترامب في تدميره هو مخابر الطلاب ومقاعدهم الدراسيّة، ولا شكّ أن مثل هذا المعهد العالي لا علاقة له بإنتاج أي شيء؛ هذه هي كذبة الحرب التي قادها ترامب ضدّ الكيماوي أو استخدامه في سورية؟ هنا يجب أن نخرج من دائرة تفكيرهم ونحلّل بشكل علمي وموضوعي. أمران لا يريدهما الغرب ولا العدوّ الصهيوني في هذه الأمة، وهما: أولاً وحدة كلمتها أو التنسيق الأكيد بين أبنائها. وثانياً: اعتلاؤها سلّم العلم والمعرفة والمنافسة في ساحة المعرفة لأن المعرفة اليوم بعد الأخلاق هي القيمة العليا للبشرية، وهم يريدون أن يسجنوا أبناءنا في غياهب القرون الماضية، وألا يسمحوا لنا بأن ننافسهم في مجالات المعرفة. بل هم يعتمدون على سلبنا حتى المعارف التي تفوّقنا بها تاريخياً، ولذلك يسلبوننا حتى براعتنا في تطوير الثروات الزراعية والحيوانية، ناهيك عن المعرفة التقنية والعلمية.
الردّ الحقيقي إذاً على عدوانهم واحتلالهم ومحاولاتهم لتصفية القضية الفلسطينية والاستهانة بالعرب والعروبة هو المزيد من العلم والمزيد من المعرفة وتطوير قدراتنا المعرفية ودفاعاتنا الجوية ومختبراتنا، وإنتاج كلّ ما من شأنه أن يؤمّن حاجات أجيالنا من دون الحاجة إليهم. الردّ الحقيقي إذاً يكمن في تطوير مراكز للبحوث العلمية وتطوير التعليم والمعرفة، وهذا هو السرّ الحقيقي لعدائهم للجمهورية الإسلامية الإيرانية لأنها ارتقت على سلّم المعرفة العلمية، ولم تعد تعير وزناً لتهديداتهم. وهذا هو سرّ جنونهم ضدّ روسيا بعد أن أعلن الرئيس الروسي بوتين عن التقدّم الهائل في صناعاته العسكرية التي سبقت بأجيال عدة صناعاتهم. انكسار عدوانهم الآثم اليوم على أرض سورية سيكون بداية لانكساراتهم المتلاحقة التي تؤذن، من دون شكّ، بأفول إمبراطوريتهم العدوانية وصعود القوى التي تحترم سيادة وحياة وسلامة الشعوب جميعاً. وكما أن الشمس تشرق دائماً من الشرق، فإن شمس العالم الجديد العادل والحرّ ستشرق من دون شكّ من هنا وستدحض كلّ ما ادعوه وحاولوا إيهام العالم به.