.. وخلف ظهرنا «روم»

| عبد المنعم علي عيسى

تصاعدت حدة الاستقطاب منذ أن اتضحت مآلات معركة الغوطة الشرقية التي شكلت نذيراً استباقياً باختلال كبير سوف يشهده ميزان القوى المختل أصلاً منذ كانون أول 2016 عندما استطاع الجيش السوري بسط سيطرته على حلب، إلا أن الاختلال الأخير كان «اقتلاعياً» بمعنى أنه كان يهدد بنسف الدورين الأميركي والغربي على حد سواء، أو على الأقل تهميشهما بدرجة تنزع عنهما القدرة في لعب دور مؤثر في أية تسوية سياسية مفترضة للازمة السورية.
استدعى هذا الاختلال مسعى غربياً يهدف إلى إحداث تغييرات بأي درجة كانت في المعادلات القائمة والتي ستكون لها تراجمها السياسية، فكانت فقاعة «كيميائي دوما» والرد الغربي عليها عبر عدوان عسكري تعرضت له البلاد فجر يوم السبت الماضي، في محاولة للتأثير على الوجهة التي تسير نحوها الأزمة السورية، فقد قرأ الغرب المشهد السوري بأن الأزمة ماضية أو هي تتهادى نحو نهاياتها بفعل الأمر الواقع، دون الحاجة، مؤقتاً، إلى توافق دولي إقليمي من شأنه وحده وضع حد دائم للحرب عبر التوصل إلى حالة فك اشتباك سياسي بعد أن فقدت المعارك بهجتها، أو أن الرهان عليها بات نوعا من قمار خاسر بالتأكيد.
حدة المعارك السياسية التي شهدتها ليالي مجلس الأمن الدولي على امتداد أسبوع كامل قبيل العدوان والتي وصلت ذروتها يومي الثلاثاء والخميس الماضيين، كانت تحمل نفساً غربياً مشبعاً بالمرارة أو هو يستدرك أيضاً خطأ للتقدير في مسألة كان يجب ألا يدركها الخطأ، فقد كان واضحا أن ثمة رهاناً أميركياً غربياً على انفراط عقد التحالف الروسي الإيراني السوري بفعل تباعد الرؤى بين أطرافه أو بحكم التناقض في المصالح الذي ستنتجه تطورات الأحداث حتما وفق الرهان الغربي، والشاهد هو أن ذلك التحالف قد اثبت صلابة قصوى ولم تنفع معه كل العراقيل الطبيعية منها أو الصناعية في إحداث إنفجارات داخلية أو على الأقل لم تستطع دفعه إلى حالة من الوهن كبيرة، يصبح عبرها معدوم التأثير ككتلة واحدة أو كجسد واحد، هذه الحالة تمظهرت في استعادة مجلس الأمن لنوادره السابقة التي شهدتها الحرب الباردة في ذروتها أيام الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، بل ومن الجائز القول إن المشهد الذي افتعله الرئيس السوفييتي الراحل نيكيتا خروتشوف عندما خلع حذاءه ليطرق به على الطاولة في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1960 احتجاجاً على ما قاله رئيس الوفد الفلبيني آنذاك، هذا المشهد لم يكن بعيداً عن مطارحات الأيام الماضية، فقد دعا المندوب الروسي نظيرته البريطانية للأخذ بأفكار كارل ماركس المدفون في بلادها، على حين ردت المندوبة البريطانية بالقول إن كارل ماركس يتقلب في قبره الآن، وهذي الصورة نسخة جديدة لتلك التي ابتكرها الرئيس السوفييتي سابق الذكر مع اختلاف الأدوات والوسائل فلكل عصر من العصور أدواته ورسائله التي يعبر بها وهي ترمز إليه.
لم يكن هدف الضربة العسكرية التي وجهت للبلاد إحداث تحولات جديدة في الميادين العسكرية، فالغرب يدرك أن أمراً كهذا بات من الماضي ولا جدوى من السعي وراءه، وإنما كانت تحذيراً بأن الغرب كله لا يمكن له أن يستبعد إذا ما أريد إنضاج تسوية سياسية في سورية، وهي، أي الضربة، أشبه ما تكون برسم كروكي لتسوية سورية مفترضة، لا تغيب فيها اذرع أو امتدادات الغرب، وهو أمر يعني إيمائياً أن على دمشق وحلفائها ألا تفكر في استنساخ ما جرى في الغوطة مؤخرا على الأوضاع القائمة في درعا أو القلمون وريف حماة، أما تلك السائدة في إدلب وريفها فمؤكد أن الغرب لا يتبنى التعويل عليها ليس لأنه هو قبل غيره كان قد صنف الغالبية الساحقة من الفصائل الموجودة فيها تنظيمات إرهابية مما يشكل إحراجاً كبيراً له، فهكذا حالة يسهل التعاطي معها أو وضعها في الصورة التي لا تسيء له وكثيراً ما فعل، وإنما لأن دعم تلك الفصائل أمر يصب في مصلحة أنقرة ومشاريعها في سورية وهو ما لا يريده الغرب بالتأكيد.
من المؤكد الآن أن العدوان كان خطوة نحو بلورة تحالف غربي قوامه أميركا وفرنسا وبريطانيا لكنه لا يملك الفرصة للتمدد في فضاءات غربية أخرى فقد كان لافتاً الرفض الألماني والسويدي للمشاركة في أي عمل عسكري موجه إلى سورية، وهو أمر ستكون له تداعياته على الوضع الإقليمي وعلى الأزمة السورية تحديدا، ومن الممكن تلمس بعض مخرجاته المبكرة التي كان أبرزها ما ذهب إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي في انتقاد دعوة وزير الخارجية الروسي لأنقرة لوضع عفرين تحت سيطرة الحكومة السورية، فقد جاء الرد لاذعا وهو غير معهود منذ أن حصلت المصالحة الروسية التركية صيف العام 2016، وهو إذ يؤكد هشاشة التفاهمات التركية الروسية في سورية فإنه ينبئ بدور تركي مستقبلي سلبي في مسار الحرب أو التسوية السورية، وربما ستكون كبرى محدداته هو محاولة وضع حلب تحت السيطرة التركية فان لم يكن فمحاولة إيجاد صيغة سياسية تعطي لعلاقة المدينة مع أنقرة مزايا كبرى، ومن أبرزها أيضاً ما كشف عنة نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف يوم الثلاثاء الماضي عبر الإعلان عن قيام الخارجية الروسية باستدعاء السفير الإسرائيلي لديها في أعقاب استهداف مطار التيفور، وعلى الرغم من أن بوغدانوف كان قد وضع ذلك الاستدعاء بصيغة التباحث في تدهور الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط، إلا أن ذلك لا يستطيع أن يخفي وراءه تهديداً روسيا بانتهاء زمن الغرام الروسي الإسرائيلي أو بدخوله مرحلة الموت السريري.
في مقلب آخر دفع العدوان نحو بلورة حالة الانقسام الإقليمية الحاصلة منذ سنوات وتحديدا منذ هبوب رياح «الربيع العربي» على المنطقة، فقد كان من الواضح أن ثمة معسكرين عربيين قد تشكلا انطلاقا من مواقف مكوناتهما من العدوان الثلاثي على دمشق، أولهما مؤيد بقوة له وثانيهما رافض، فيما كان الرهان حتى قبيل حدوث العدوان على الموقف المصري الذي يفترض فيه أن يكون بيضة القبان فيما بين المعسكرين، ليسقط ذلك الرهان عبر موقف ضبابي كان هو السمة البارزة لتعاطي القاهرة مع الحدث، وربما يجيز ذلك الموقف لنا أن نتساءل فيما إذا كانت مصر الكنانة وعبد الناصر وحرب أكتوبر لا تزال على قيود الجغرافيا والتاريخ أم لا، ومن الواضح هنا أن الكفة الآن ترجح باتجاه معسكر مؤيدي العدوان الأمر الذي كرسته قمة الظهران يوم الأحد الماضي، وهو ما سينتج مناخات مثلى لانفراط عقد النظام الأمني العربي أو الإقليمي، ووجوب دخول هذا الأخير في محاور أو أحلاف تكون امتدادات لمشاريع غربية وأخرى يمكن تسميتها مجازا «شرقية» في استعادة لمناخات الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وإذا ما كانت مناخات الغرب جاهزة على الدوام لهكذا أحلاف، فان النهوض الروسي بات يشكل مناخات جاهزة أيضاً لحلف «شرقي» إذا ما جازت التسمية، وما يلاحظ في هذا السياق أن التصلب الروسي في مواجهة الغرب قد تجاوز القاعدة التي كان يقوم عليها والتي كان لافروف قد عبر عنها في العام 2013 في لقاء له مع وفد من المعارضة السورية عندما قال مخاطباً إياه: «نحن ندافع عن موسكو في دمشق»، وهو اليوم يشير إلى تبلور مجموعة دولية لها ثقلها الوازن على الساحة العالمية، بعد أن استكملت هذه الحالة الأخيرة شرطها الاقتصادي في دعم بروزها السياسي، ويعطيها الثقة في إمكان تحقيق غاياتها بعد أن ضاقت ذرعا بالهيمنة الأميركية والتهديدات التي تطلقها واشنطن في كل حدب وصوب، خصوصا في نسختها «الترامبية» التي ظهرت أميركا عبرها عارية تماماً حتى من ورقة التوت، فاقدة لـ«الحياء» الاستعماري في ظل فضائح ترامب ومجاهراته في طلب المال وفرض المحاصصة، وما تريد أن تقوله، حالة البروز سابق الذكر، هو أن التراجع في مواقفها أمر لم يعد يدخل في حساباتها، وهو الأمر الذي يفسر السعي الأميركي الحثيث نحو محاولات تفكيك منظومة دول البريكس، وهي تقوم أصلاً على استهداف الفكرة أولاً قبل استهداف البنى، وفي هذا السياق يمكن فهم ما يتعرض له الآن الرئيس البرازيلي السابق لولا داسيلفا الذي لعب دورا محوريا في إنضاج تلك الفكرة، وفي الآن ذاته العمل على إسقاط الحالة الفنزويلية و«التعشيش» لخراب مقبل في جنوب أفريقيا.
وإذا ما أردنا أن نختصر كل ما سبق يمكن القول: إن الأزمة السورية قد دخلت الآن مرحلة جديدة وهي تحمل من المخاطر والمحاذير ما لا يقل عن نظائرها في مراحلها السابقة، صحيح أن هناك العديد من العقبات قد زالت بعد هزيمة تيار السلفية الجهادية، وانحسار المد الكردي في العراق وسورية على حد سواء، وكذا هزيمة «الجلبيين» السوريين، إلا أنه بالمقابل برزت تحديات أخرى من أهمها التحدي التركي الذي بدا على أهبة الاستعداد لخرق تفاهماته مع الروس عبر اللعب على التناقضات الروسية الأميركية، وبروز توجه غربي مقامر يرى أن من تلقى كل تلك الخسائر في المراحل الماضية لن يهمه تلقي خسارة أو حتى رزم منها، على حين أن المقامرة قد تحمل معها مكسباً أو مكاسب عدة.