من دفتر الوطن – الحنين!

| عصام داري 

يتسلل صوت فيروز في الصباح يعلن ولادة نهار جديد، ولحن متجدد، وحكايات حب ووجد و.. حنين:
أنا عندي حنين ما بعرف لمين… ليلية بيخطفني من بين السهرانين
ويعود الحنين ليرسم لوحات كانت ذات عمر مضى كل الذكريات، وأحلى الذكريات، وأنبش في تربة الماضي لأستخرج كنوزاً كانت كل ما نملك، وأضحت سراباً ومجرد صور باهتة تحتاج إلى كثير من الألوان والإضاءة والرتوش!
وإذا كانت فيروز لا تعرف حنينها لمن، فإننا نسأل بشكل أعم: لمن الحنين أصلاً؟ هل هو لأشخاص وأماكن وذكريات مضت أم إن هناك حنيناً يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص؟
يمكن أن يكون الحنين إلى أشياء تبدو غاية في البساطة، أو غير متوقعة، أو أنها انقرضت أو على وشك الانقراض، هنا يصبح الحنين أكبر ويحمل حسرة وأسفاً.
وقد يستغرب بعض الناس أن أحن أنا شخصياً إلى الورقة والقلم! فمع دخول الكومبيوتر«أو الحاسوب» بقوة إلى حياتنا اليومية تخلينا عن الورقة والقلم ورحنا نكتب على هذا الجهاز الصامت والبارد والجاف كذلك.
أظن أن نسبة كبيرة من الناس ستستغرب هذا النوع من الحنين، لكنني فعلاً أحن إلى الكتابة بالقلم وليس بالحاسوب، وأحن بصفة خاصة لقلم الحبر وأشعر بانسياب الحبر على الورق وهو يرسم فينسج الكلمات والجمل ويخترع الشخصيات والأبطال والأماكن التي تدور فيها الأحداث.
أشعر بمتعة لا أستطيع وصفها، لكنها متعة من نوع خاص، تعطيني الشعور بالرضا والفرح على الرغم من رداءة الخط حيناً، والخربشات والشطب أحياناً أخرى، كما كنت أتمتع برائحة الأحبار والأحماض في الصحف (على الرغم من سميتها) لأنها كانت في مرحلة مهمة من تاريخي وانخراطي في الإعلام الورقي.
وكما يحن محمود درويش إلى خبز أمه ونسمع هذا الحنين بصوت مارسيل خليفة، فأنا أحن لخبز التنور ورائحة الخميرة والمناقيش على التنور المنتشرة في معظم قرانا الطيبة المعطاءة.
نحن إلى ذلك الزمن الجميل الذي شهد ولادة أول حب عرفناه ونحن مازلنا في سن المراهقة، وإلى لمسة يد المحبوبة لأول مرة وكيف شعرنا أن قلبنا يكاد يقفز من صدورنا ليصافح هذه الصبية وقد احمرت وجنتاها وهي تسمع كلمة غزل تجرأت على قانون القبيلة وسوط شيخ العشيرة ولامست مشاعرها وأحاسيسها.
الحنين إلى أفلام الأبيض والأسود: فتى أحلامي، الوردة البيضا، ليلى بنت الفقراء، إسماعيل ياسين بوليس سري، المرأة المجهولة، رد قلبي، و.. من يتذكر هذه الأفلام وغيرها التي نسجت حكاية السينما العربية خلال قرن كامل مضى؟
من يتذكر أول رواية قرأها، أو أول ديوان شعر دخل إلى بيت الأسرة، أو ربما طعم الجرادق المعروف بـ(الناعم) الذي لم نكن نشاهده إلا في شهر رمضان المبارك؟ وها هو رمضان يدق الباب، وسنسهر لياليه حتى ساعات الفجر الأولى.
الحنين يحاصرنا، يضيق علينا الخناق، يغتال السكينة التي ركنت نفوسنا إليها واعتقدنا أنها صارت من يومياتنا المتكررة، فإذا بهذا الحنين يكسر كل القواعد ويعيدنا إلى أمور وأماكن وعادات وذكريات نامت في دفاترنا العتيقة زمناً طويلاً، لكنها قررت فجأة الخروج من الظلمة إلى(دفتر الوطن) وها هي الآن أمامكم.