نجاح بلغة الأرقام

| عبد المنعم علي عيسى

لا يبدو أن «ليلة الصواريخ» التي أحيت الجبهة السورية باشتباك هو الأوسع منذ توقيع اتفاقية فك الاشتباك في العام 1974، لا يبدو أنها نجحت في رسم معادلة عسكرية تحدد ضمنا الفعل ورد الفعل، وربما كان الأمر يحتاج إلى جولة أو جولات أخرى، لأن تل أبيب لا تريد أن تجعل مما جرى يوم الخميس الماضي في الجولان المحتل علامة ناظمة لما بعدها أو هي تحدد قواعد الاشتباك للمرحلة اللاحقة.
في الوقت الذي كانت جبهة الجولان فيه تشتعل، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجلس في قاعة الانتظار ريثما ينتهي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من اجتماع ترأس فيه مجلساً للأمن القومي الروسي، فيما جعبته، وهاء الغائب هنا هي لنتنياهو، منتفخة، دلالة على ازدحام الملفات وتراكم الهموم، لكن في الذروة منها مطلباً أساسياً وهو يلتمس وساطة روسية لتحييد الجبهة السورية، فلا تعود مصدر قلق أو تهديد لتل أبيب، وعلى الرغم من أن هذا الأخير كان قد تعمد في مؤتمره الصحفي إغفال أي ذكر لسورية والتركيز على الدور الإيراني فيها، إلا أن الإغفال هنا يلعب دور الدليل القاطع على أن ما تعمد نتنياهو عدم ذكره إنما كان يمثل فعلياً المحور الأساسي الذي تدور حوله المباحثات، بل الطاغي على كل ما سواه، واللافت كان في شح المعلومات أو النتائج التي توصل إليها الطرفان، وإن كان ما صدر عن الرئيس الروسي كافياً لرسم أطر عامة عن المباحثات، فالرجل أكد وجود تزايد في الملفات الخلافية، ولم ينس أن يعبر عن استيائه من تكرار الضربات الجوية التي ينفذها سلاح الجو الإسرائيلي في الداخل السوري.
بشكل عام يمكن القول إن النتيجة النهائية كانت «نصف نجاح» فإذا ما كان حديث الرئيس الروسي، سابق الذكر، يصب في جعب الفشل، فإن الجعب النقيضة لهذي الأخيرة أيضاً أصابها نصيب، ففي اليوم التالي للقاء خرج المساعد العسكري لبوتين، فلاديمير كوجين، ليقول إنه لا يوجد هناك أي مفاوضات لتسليم سورية منظومات صواريخ إس 300، وإذا ما كان لنا أن نخلص إلى نتيجة مهما تكن قاسية يمكن أن نقول إن روسيا ستماطل في موضوع الصواريخ لأنها ببساطة تهتم لإسرائيل بأضعاف ما تهتم للعرب بما فيهم سورية نفسها، ثم إن الخلاف التام سيؤدي بتل أبيب إلى معسكر الثالوث الغربي الذي لا تزال هذي الأخيرة تصر على أنها لا تنتمي إليه، وكل ما تبحث عنه هو تحصين أمنها وفي هذا السياق فإنها لن تسمح للوجود الإيراني في سورية بأن يكون مصدر تهديد له، على حين إن ذلك الثالوث ما انفك يغزل على نول «كيميائي دوما» نفسه.
لقد خرج نائب مندوب بريطانيا في مجلس الأمن جوناثان آلين يوم الثلاثاء الماضي ليتهم دمشق بمواصلة إنتاج الأسلحة الكيميائية سراً، وهو الاتهام الذي لقي صداه في باريس لتعلن وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي بعد ساعات أنها لا تستبعد أن تقوم بلادها بتوجيه ضربات جديدة لدمشق إذا ما تم استخدام السلاح الكيميائي من جديد، ومن المؤكد أن هذين التصريحين كافيان للقول إن الجيش العربي السوري سيكون في ذروة معركته لبسط سيطرته في الجنوب على موعد مع نسخة جديدة من السيناريو السابق ليصبح كيميائي دوما هو «كيميائي الحراك» أو «كيميائي إنخل» أو سواهما من بلدات الجنوب السوري.
ربما كان هناك العديد من الإشارات التي تدفع للاعتقاد بأن نتنياهو يظن أن الضربات التي ينفذها سلاح الجو الإسرائيلي على مواقع إيرانية في سورية ليست مزعجة بالضرورة لموسكو بل يمكن أن تكون هذي الأخيرة راضية عنها، لكن من دون أن تبوح بذلك حتى لنفسها أمام المرآة، وإذا ما كان هذا الاعتقاد الأخير عنصراً فاعلاً في الحسابات الإسرائيلية فإن ذلك قد يدفع المنطقة نحو موجات من العنف غير مسبوقة، فالتحالف الروسي الإيراني في سورية قوي ولا يمكن الرهان على ضعفه أو وصوله إلى طريق مسدود لأن الروس ببساطة يدركون جيداً بأن نجاحهم في سورية مرتبط بدور إيراني فاعل فيها، ومن المؤكد أن هذا التحالف سوف تتعمق أواصره في أعقاب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني، أما الرهان على تمايز في المواقف بين الأميركيين وبين الأوروبيين فهو رهان خاطئ أيضاً وهو لا يعدو أن يكون تطبيقاً عملياً لأقصى الضغوط على طهران وفي المقابل الإبقاء على «الحمامة» الأوروبية طليقة لعلها تأتي بالرسالة المنتظرة، وما يشير إلى ذلك هو أن ترامب كان قد أعلن في اليوم التالي للانسحاب من الاتفاق بأن بلاده ستعود إلى الاتفاق إذا ما طرأت عليه تعديلات مهمة والمهلة هي ستة أشهر، وربما كان طلب هذي الأخيرة خياراً أوروبياً اضطرت واشنطن للانصياع إليه، فمن المعروف أن شركات أوروبية عملاقة كانت قد استثمرت عشرات المليارات في إيران في قطاعات الطيران والنفط وصناعة السيارات، والقطيعة الأوروبية الآن مع إيران ضارة بكل تلك المصالح، على حين إن السيناريو المبدئي يقوم على تهديد أميركي وترغيب أوروبي مع الدفع بتل أبيب إلى توجيه ضربات موجعة لاستنزاف طهران في سورية أو لجعل وجودها فيها باهظ التكاليف، وفي الغضون يبدو الموقف الروسي بالغ الصعوبة كما لم يكن في يوم من الأيام فالخيارات المتاحة أمام موسكو اثنان، أولهما أن تقف بجانب إيران في سورية إلى النهاية، وهو خيار صعب لأنه سيؤدي بالضرورة إلى مواجهة روسية أميركية غير محمودة العواقب، وثانيهما أن تنسحب من سورية، وهو أيضاً خيار قد يكون أصعب من السابق، ولذا فإن موسكو ستجهد على الأرجح في المرحلة القريبة المقبلة إلى إيجاد تفاهمات جديدة مع الأميركيين في سورية، وإن كانت بسقوف غير السقوف السابقة.
على الرغم من وجود عوائق كبرى أمام مسار كهذا، فواشنطن قد تكون جاهزة في ضوء قرارها بالانسحاب إلى إنضاج تفاهمات مع الروس لكنها لا تتعدى سورية، أما الروس فإنهم يرون أن التفاهمات يجب أن تتسع لتشمل أزمات عالقة مثل أوكرانيا وكوريا الديمقراطية وبحر البلطيق، ولذا فنحن نلاحظ أن موسكو تصم أذنيها تجاه الصراخ الأميركي الإسرائيلي الداعي إلى إخراج الإيرانيين من سورية، كما نلاحظ أن واشنطن مصرة على «خربطة» الجهود الروسية في سورية وآخر محاولاتها كانت في التلويح بإرسال قوات خليجية مصرية تكون بديلاً عن القوات الأميركية في الشرق السوري أو بالتشارك معها.
الفكرة ليست جديدة بل لقد طرحت مراراً وآخر الطروحات كانت في شهر أيار من العام الماضي، لكن الجديد فيها هو أن الأميركيين قد أقنعوا السعوديين كما يبدو بأن قيام حوار خليجي إيراني يمكن أن يكون ناجحاً أو مثمراً، لا يمكن له أن يحدث إلا بعد حدوث تغييرات في موازين القوى الإقليمية القائم حالياً، وعلى الرغم من أن هذا الكلام صحيح في المطلق إلا أن حيثياته تجعله خاطئاً أو ستاراً للصيد في ماء عكر، فالبحث عن توازن قوى بين السعوديين أو الخليج من جهة وبين الإيرانيين من جهة أخرى هو بحث عن السراب أقله في خلال عقد أو عقدين، فالتوازن ليس تكديساً لأسلحة أو تكديساً لمال فحسب بل هو يشمل تقارباً في البنى التعليمية والفكرية وفي العقلية التي تدار بها المؤسسات والبلاد، والمؤكد أن العقلية التي تصنع الصاروخ هي غير العقلية التي تشتريه.
آمال السوريين اليوم معلقة بأستانا في جولته التاسعة التي انطلقت أمس، ووحده هذا المسار نجح في أن يراكم بلغة الأرقام نتائج تصب في مصلحة البلاد والدولة القائمة فيها.