لا للتلاعب

| تييري ميسان

فسر الغربيون الامتناع عن التصويت في الانتخابات التشريعية اللبنانية (50 بالمئة) والإيرانية (65 بالمئة) والعراقية (44.52 بالمئة) على أنه دليل على عدم نضج هذه الشعوب، وسواء أكانت تنعم بالديمقراطية منذ سبع سنوات أم خمس وسبعين سنة، فهي في نظرهم شعوب غير ناضجة، وينبغي وضعها تحت الانتداب.
عزا الغرب هذا الامتناع عن التصويت إلى المخرجات الاقتصادية السيئة لحكوماتهم، كما لو أن العرب، في نظرهم، لم يدركوا بعد أنهم يستطيعون صنع برامجهم، واختيار مستقبلهم، فظلوا يتخيلون أنه ينبغي عليهم الاستمرار في الموافقة على الأداء السيئ لحكامهم السابقين.
وبالطريقة نفسها فسر الغربيون، الذين كانوا منهمكين في إعادة فرض الانتداب الغربي على بلاد الشام، عملية إطلاق سراح سعد الحريري من سجنه السعودي، على أنه انتصار كبير للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «العظيم»!
ذلك لأنهم لم يروا فاعلية الاتصالات البعيدة عن الأضواء التي قام بها الرئيس ميشيل عون على مستوى الأمم المتحدة، وكانوا ينظرون إلى اللبنانيين على أنهم غير قادرين على التصرف بمفردهم.
تتعامل وسائل الإعلام الغربية مع المؤسسات اللبنانية «غير المفهومة» على أنها مؤسسات «معقدة»، لكنها تتجاهل أن النظام الطائفي القائم على أساس ألا يتغير أي شيء على الإطلاق في لبنان، هو من تصميم قوة استعمارية غربية سابقة، أما التعديلات التي طرأت على قانون الانتخابات من خلال إدخال النسبية الانتخابية داخل الطوائف، فلا يرمي إلى الحفاظ على قيود الاستعمار فحسب، بل يجعل الشبكة أكثر تعقيدًا.
بالمحصلة فإن فرنسا، هي بلا شك دولة علمانية فوق أراضيها، لكنها ليست كذلك في مستعمراتها السابقة.
نعم، إنه لأمر مثير للسخرية أن نرى تونس تنتخب أعضاء المجالس البلدية لأول مرة في تاريخها، وأن ينتخب لبنان، بعد تسع سنوات، نوابه المتوارثين أنفسهم، والعراق منقسم حول ثلاثة وسبعين حزبا سياسيا، ولأنه أمر مثير للسخرية تحديدا، فقد رفض العديد من الناخبين في تلك البلدان الانصياع لهذه اللعبة المهينة.
وعلى عكس التفسير الغربي، فإن نسب الامتناع عن التصويت هذه، إذا ما أظهرت رفضاً للممارسات الديمقراطية، فهي لا تعني رفض تلك الشعوب للديمقراطية بحد ذاتها، وإنما رفض انحرافها.
إن التونسيين الذين رأوا حزب النهضة، أي الإخوان المسلمين، وحزب نداء تونس العلماني، يتحالفان بعد اقتتال ضار بينهما، كان لديهم كل الأسباب المقنعة لأن يتوقعوا حصول اتفاق بين الطرفين الرئيسيين لتقاسم المناصب المحلية بينهما، مثلما تقاسما المناصب العامة في وقت سابق.
وكما أن اللبنانيين، الذين يعرفون مسبقا أنه ما من خيار متاح أمامهم، سوى التصويت لـ«أمير حرب» طائفتهم وأزلامه لحماية أنفسهم من الطوائف الأخرى، فقد رفضوا البقاء في هذا السجن أيضاً.
يدرك العراقيون الذين تم إقصاء رئيس وزرائهم المنتخب قبل أربع سنوات على يد القوى الخارجية، أن نتائج تصويتهم لن تؤخذ بالحسبان، إذا لم ينفذ الفائز رغبات «المجتمع الدولي»، ووحده حزب الله، المنحدر من المقاومة وليس من الحرب الأهلية، حقق امتلاء كاملا بأصوات ناخبيه مع حلفائه.
يرحب الغربيون، إذا لم نخطئ التقدير، ضمنيا بالامتناع عن التصويت، لأنهم يجدون فيه مسوغات لعدوانهم على «الشرق الأوسط الموسع» منذ سبعة عشر عاما، وأي تعبير عن إرادة منظمة لشعوب المنطقة، هو بمنزلة كابوس بالنسبة لهم، لأن هدفهم الوحيد هو الإطاحة بدول المنطقة وتدمير مجتمعاتها، للسيطرة عليها بشكل أفضل.
وهكذا، عندما هرع السوريون، على الرغم من الحرب المروعة، إلى مراكز الاقتراع لانتخاب رئيسهم عام 2014، انتاب الغربيون رعب حقيقي، وأُجبروا على تأجيل خطتهم للإطاحة بالجمهورية العربية السورية إلى وقت آخر.
يطمح العرب، مثل غيرهم من شعوب العالم، إلى تقرير مصيرهم بأنفسهم.