بقاء الاتفاق النووي يحتاج إلى نظام دولي جديد

| أنس وهيب الكردي

يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استخدام الاتفاق النووي، الذي تمسك به باقي الأطراف الموقعين عليه، كرافعة للضغط على إيران، في إستراتيجية تقلب إستراتيجية طهران الخاصة في استخدام البرنامج النووي للضغط على الولايات المتحدة للقبول بالنظام المنبثق من رحم الثورة الإسلامية ونفوذها الإقليمي.
فلا تستطيع أي شركة أوروبية أو صينية أو روسية مهما صغرت تجارتها مع الولايات المتحدة، أن تعقد صفقة تجارية في إيران خوفاً من أن تصطادها واشنطن بعقوبات تمنعها من ولوج السوق الأميركية والاستفادة من التكنولوجيا والاستثمارات الأميركية، ولا تخفي إدارة ترامب أنها ستستخدم هذا الإجراء لتحقيق غايتين: منع إيران من الاستفادة من منافع الاتفاق النووي والضغط عليها اقتصادياً بسلاح العقوبات، ومن ثم تطويق نظامها وإضعاف نفوذه الإقليمي وتكبيله، والغاية الثانية، منع شركات أي دولة كبرى منافسة، ولو كانت أوروبية، من ولوج السوق الإيرانية البكر، والانفراد بمزايا التعاون الاقتصادي والتجاري مع إيران، على حساب الشركات الأميركية، ويؤكد كثيرون في الولايات المتحدة ضرورة أن تكبح واشنطن الآخرين من التعامل مع إيران، إلى أن تدخل الشركات الأميركية وتستحوذ على الصفقات الكبرى.
يعتقد المسؤولون الأميركيون أن الوسيلة الأكثر نجاعة لإعادة فتح التفاوض حول الاتفاق النووي وتعديله، هي حرمان إيران من فوائد الاتفاق المتمثلة في الانفتاح الاقتصادي والتجاري بينها وبين دول العالم، وعلى الأخص أوروبا والصين، على حين يعتقد المسؤولون الأوروبيون أنه من دون تلك الفوائد فإن التزام الإيرانيين بالاتفاق سيتزعزع؛ هكذا تصبح «استفادة» الإيرانيين من الاتفاق معلقةً على الموقف الأميركي.
والآن، يعكف المسؤولون في إدارة ترامب على تطوير خيار تفاوضي مع قوى (3+2) أي مع الترويكا الأوروبية: بريطانيا، فرنسا، وألمانيا + روسيا والصين، يمكنهم من رهن موافقة بلادهم بخصوص تمرير أي منفعة من منافع الاتفاق النووي كـ«جزرة» إلى إيران مقابل تنازلات إقليمية، وخاصة فيما يتعلق بأسلحتهم البالستية وبرامج تطويرها، ومدة الاتفاق، تماماً كما ربطت طهران ببراعة بين إبدائها مرونة في المفاوضات النووية وغض نظر واشنطن عن تحركاتها الإقليمية، وفي بعض الأحيان، استفادت من الاتفاق النووي لتطوير تعاونها مع الولايات المتحدة وأوروبا حول القضايا الإقليمية المعقدة مثل معركة الموصل، وحل أزمة الرئاسة اللبنانية.
تطالب إيران الدول الأوروبية الكبرى، إضافة إلى روسيا والصين، بضمانات للبقاء في الاتفاق النووي، لكن تطوير خيار كهذا يبقى صعب التحقق في ظل النظام الدولي الحالي، فالولايات المتحدة هي أقوى دول العالم، واقتصادها هو حجر رحى الاقتصاد العالمي، ولا تزال شركاتها هي الشركات الرائدة في مجالات التطوير والتكنولوجيا المتطورة، واحتمالات عزل الولايات المتحدة عن القضية النووية الإيرانية، وشؤون العالم، مستحيل في ظل نظام دولي يعتمد إلى هذه الدرجة، في حركته التجارية وضماناته الأمنية، على واشنطن، فمن دون هذه الأخيرة ستتحول أوروبا إلى امتداد سياسي لأوراسيا، واقتصادي للصين.
بينما تبحث الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بنشاط عن السبل التي تمكنها من مواجهة الصعود العسكري الروسي في شرق أوروبا والشرق الأوسط، تعمل في الوقت ذاته على تطوير إستراتيجية لمواجهة التغلغل الاقتصادي الصيني، ليس فقط في الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، بل في أوروبا نفسها، أما الصين فهي فضلت عدم الانجرار وراء حرب تجارية أراد إشعال فتيلها ترامب، على حين لم تلجأ موسكو إلى الرد على الضربات الغربية التي استهدفت قوات الحكومة السورية.
الحقيقة أن الدول الأوروبية التي يسعى قادتها إلى إنقاذ الاتفاق النووي من الانهيار الكامل، تحتاج إلى القوة الأميركية لمواجهة الروس في شرق أوكرانيا والشرق الأوسط، لكن أي سيناريو للمحافظة على الاتفاق النووي واستمراره بعد خروج الولايات المتحدة منه سيتطلب تعاوناً روسياً أوروبياً، كذلك الحال بالنسبة للوجود الأوروبي في شرق سورية وجنوبها، والعراق، والذي يهدف في التحليل النهائي، إلى وقف الاندفاعة الروسية الطارئة في شرق المتوسط، يتظلل بالوجود الأميركي ويحتمي به من زحف قوات الحكومة السورية، والمجموعات العراقية المتحالفة مع طهران.
تعقد المشهد العالمي وشكل المنظومة الدولية يجعل من بقاء الاتفاق النووي من دون واشنطن خياراً بعيداً، والأرجح أن تستغل هذه الأخيرة رغبة الجميع في استمرار الاتفاق من أجل فرض تفضيلاتها.