عرس الدم الفلسطيني القاني

| عبد المنعم علي عيسى

هو عرس الدم الفلسطيني القاني الذي يتراقص على جنباته العرب كل العرب، ثلاثة وستون شهيداً وأكثر من ألفين وخمسمئة جريح طوتهم احتفالية الذكرى السبعين لقيام الكيان الإسرائيلي والتي أرادتها واشنطن كرنفالية عبر نقل سفارتها إلى القدس بالتزامن معها، فيما تركزت إستراتيجية الرئيس الفلسطيني محمود عباس التي أعلنها في افتتاح المجلس الوطني الفلسطيني أواخر الشهر الماضي على الخوف من أن تؤدي مسيرات العودة إلى توريث الشعب الفلسطيني «جيلاً من العاهات»! وبمعنى آخر هو خائف على بضعة آلاف يمكن أن يصبحوا معوقين وليس خائفاً على شعب بأسره سوف يصبح معوقاً.
صحيح أن حسابات السلطة هي دوماً غير حسابات من هم خارجها، لكن كيف تكون ردة الفعل على طعنة الخنجر إذا لم توحد بين الحسابين؟ ثم إذا كانت هناك حسابات أخرى غير معروفة اقتضت المصلحة الوطنية إخفاءها في السابق فليعلنها الرئيس عباس الآن، فالمؤكد بعد كل ما جرى أن المصلحة الوطنية الآن تقتضي مكاشفات في العمق حيث التستر هنا، هو صنو الخيانة، والظرف عصيب كما لم يكن في يوم من الأيام، وما ينتظر فلسطين والعرب برمتهم هو مشروع التدمير الذري لـ«هيولى» الخلايا العربية الحاملة للجينات الحافظة للعروبة أو جينات الرفض الضامنة لتوريثها.
الآن لا بد من القول: إن خطوة نقل السفارة الأميركية إلى القدس ليست نهاية المطاف، وإنما هي إيذان للدخول في مشروع هو أكبر بكثير، وهي تريد جس نبض «الكل» أو ردات أفعاله تجاه البدء في ذلك المشروع، بعد أن كانت قد ضمنت تأييد كل من مصر والسعودية لها، وقد كان واضحاً أن المهمة التي كانت القاهرة تضطلع بها هي كبح جماح مسيرات العودة، على حين انبرى محمد بن سلمان إلى أكثر من ذلك بكثير، فقد نقلت عنه القناة العاشرة الإسرائيلية أنه وفي لقاء له مع قادة الجالية اليهودية في الولايات المتحدة في السابع والعشرين من آذار الماضي قال: إنه «حان الوقت بأن يقبل الفلسطينيون العروض وأن يوافقوا على العودة إلى طاولة المفاوضات، أو فليصمتوا ويتوقفوا عن التذمر»، والأخطر هو في موقف السلطة الفلسطينية التي تقول: إنها ترفض «صفقة القرن» لكنها بالمقابل لم تكتف بنزع الشرعية عن مسيرات العودة وإنما كانت قد استبقتها بنزع الشرعية أيضاً عن قطاع غزة بأكمله بل اعتباره كياناً متمرداً على الدولة تمهيداً لاستباحته.
الآن وبعد كل ما جرى، لم يعد هناك من داع لإخفاء حقيقة صادمة هي أن منظمة التحرير هي أول من سعت إلى إفشال انتفاضة عام 1987 أو بمعنى أدق الجناح الذي يرفع فيها شعار «الحياة مفاوضات»، أما انتفاضة عام 2000 التي أطلق عليها انتفاضة الأقصى لأنها قامت رداً على قيام مجموعه من المستوطنين باقتحام المسجد، فقد كان للمنظمة الدور الأبرز في قمعها كرمى لعيني أوسلو، وربما يتضح جلياً هنا الدور الذي لعبته هذي الأخيرة بالمقارنة بين هذا الحدث الأخير وبين ما جرى مؤخراً عندما قام 1042 مستوطناً باقتحام المسجد يوم الأحد الماضي وهم يهللون ويهتفون بشعارات خاصة قبل أن يستمعوا لشرح مفصل عن تاريخ «الهيكل» وكل ذلك لم يؤد ولو إلى «ميني» انتفاضه فما الذي حدث؟
هناك العديد من التساؤلات المصيرية، وأبرزها: هل هناك من أفق؟ وما مآلات الصراع المحتملة؟ ثم هل يمكن العودة إلى مناخات ما قبل أوسلو من جديد؟ وهل تبدو تلك الدعوات واقعية؟
باختصار يمكن القول: إن التاريخ لم يسجل حالة واحدة عن انسداد أفق لشعب أراد أن ينهض أو هو امتلك إرادة النهوض، والثابت الآن هو أن الكرة هي في ملعب الشعب الفلسطيني الذي يتوجب عليه الإمساك بزمام المبادرة لأنها في يده هو ولا أحد غيره بعيداً عن ما يقال أو يعلن أو يحاك.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!