ما وراء الأكمة؟

| رزوق الغاوي

بين «مدِّ تقدم القوات المسلحة السورية في جنوب وجنوب شرق وشرق البلاد وإصرارها على بسط السيادة السورية على كامل التراب السوري» و«جزرِ المواقف الأميركية الملتبسة والمكشوفة أصلاً تجاه سورية خاصة، وتجاه المنطقة بوجه عام، والتي تحمل في طياتها نيات عدوانية تتجلى بمحاولات عرقلة التقدم السوري في مناطق البادية السورية».
في ظل الواقع الراهن تتأرجح احتمالات تطور الأوضاع الراهنة في جنوب البلاد وشرقها، ما يُشير حسب تصريحاتٍ أميركية إلى أن واشنطن بصدد إطالة أمد الاحتلال الأميركي وقوات التحالف الدولي لأراضٍ سورية حتى إشعار آخر، وسط تلميحات عربية وإقليمية ودولية إلى أن التسوية السياسية للمسألة السورية ينبغي أن تتم ضمن سلة واحدة تشمل كل القضايا الشائكة التي تعيشها المنطقة العربية، بما فيها طبعاً القضية الفلسطينية،تلك السلة التي ربما تستدعي تعديلاً ما في الجغرافيا السياسية للمنطقة، ما من شأنه في النهاية إطالة أمد الأزمة السورية.
إن ما تقدم، يعني أن لدى الإدارة الأميركية هدفاً استراتيجياً في سورية تتمثل أولى خطواته بالحفاظ على وجود تنظيم داعش على طول البادية السورية، بدءاً من شرق السويداء حتى شرق التنف حيث يتركز الوجود الأميركي، تحت ذريعة واشنطن القضاء على تنظيم داعش، وكذلك تحت ذريعتها الحرص على عدم إحداث فراغ في سورية بعد القضاء على داعش تستغله القيادة السورية على حد قول وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس حول مسألة الفراغ التي تذكرنا ببدعة وزير الخارجية الأميركية السابق جون فوستر دالاس «مبدأ الرئيس الأميركي السابق دوايت آيزنهاور حول وجود فراغ في المنطقة على الولايات المتحدة الأميركية أن تملأه»، حيث يؤكد ماتيس مرة أخرى ضرورة ربط الوجود العسكري الأميركي في سورية بإنجاز التسوية السياسية فيها والذي تعرقل الوصول إليها أصلاً مواقف واشنطن التعطيلية وسياسة غطرسة القوة وشريعة الغاب التي تتميز بها ضد الشعوب والشؤون الداخلية للدول، على غرار احتلال أجزاء من أراضي الدولة السورية المستقلة، والنيل من سيادتها واستقلالها إن هي مارست حقها المشروع في رفض الإملاءات وفي الدفاع عن هذه السيادة وهذا الاستقلال. لقد تمثل العدوان الأميركي الأخير على سورية الأسبوع الفائت بتحذيرها من مغبة استهداف القوات الأميركية أو تلك التي تتلقى الدعم منها، سواء كانت « قوات سورية الديموقراطية» أم تنظيم داعش الإرهابي.
لقد أكدت واشنطن في ماتتخذه من مواقف عدائية لسورية وخاصة تجاه قيام الجيش العربي السوري بواجبه الوطني في ملاحقة الفصائل الارهابية، أنها تعمل على تثبيت احتلالها لأراضٍ سورية والمحافظة على موطئ قدم لها فى سورية يمكنها من تحقيق مصالحها في المنطقة، وإلا، ماذا يعني تأكيد مدير رئاسة الأركان المشتركة للقوات الأميركية، كينيث ماكينزي في مؤتمر صحفي عقده في البنتاغون الأسبوع الفائت، استمرار العمليات العسكرية التي تنفذها الولايات المتحدة بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية، وقوله: «إن شن أي هجوم على القوات الأميركية أو حلفائها في سورية سيكون سياسة سيئة بالنسبة لجميع الأطراف المعنية»؟. يُضاف إلى ذلك وقوف الإدارة الأميركية مؤخراً وراء الاتهام الذي وجهته الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى سورية بانتهاك نظام حظر انتشار الأسلحة النووية، من دون وجود أية أسباب موضوعية لهذا الاتهام الباطل في محاولة للتغطية على ممارساتها داخل الأراضي السورية.
وحين نأتي على ذكر المحاولات الأميركية لفرض إملاءاتها على الشعوب الحرة والدول المستقلة، فإننا نستذكر جميع محاولات الإملاء التي مارستها الإدارات الأميركية المتعاقبة والتي تحمل في طياتها شكلاً من أشكال الضغوط والابتزاز بما يخدم مصالحها الإمبريالية، ليس فقط على حساب المصالح المشروعة للشعوب عامة، بل حتى على حساب مصالح حلفائها الأوروبيين وغيرهم في مختلف أصقاع الأرض، وقد تجلى ذلك في هذه الآونة في فرض رسوم ضريبية جديدة على الواردات الأميركية للصلب والألمنيوم من البلدان الأوروبية الحليفة ما سبب حالة من السجال المشوب بالتوتر بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية، وهو أمر من شأنه في حال تفاقمه أن يُشكل تهديداً صريحاً للأمن الدولي وتصديعاً للعلاقات الدولية.
إن مضي سورية في تحرير أراضيها من جميع القوات الأجنبية الموجودة بشكل غير شرعي على أراضيها، حق سيادي أساسي من حقوقها الوطنية المشروعة قانونياً وأخلاقياً وإنسانياً، تعمل سورية على إنجازه كاملاً بما يكفل القضاء على جميع المشاريع التقسيمية المبيتة ضدها، وصيانة وحدة ترابها الوطني والمحافظة على فسيفساء نسيجها الشعبي الفريد.