أن تصل متأخراً

| عبد المنعم علي عيسى

في وقت كان يعلن فيه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلوا عن التوصل إلى اتفاق مع الجانب الأميركي حول منبج يوم الثلاثاء الماضي يقضي بانسحاب الوحدات الكردية وتشكيل مجلس محلي برعاية أميركية تركية، كان هجوم داعش على مدينة البوكمال وريف دير الزور يرسل برسائل مهمة، وعلى الرغم من أن الحدثين يبدوان متباعدين إلا أنهما ليسا كذلك، فالاثنان صادران عن أصابع محرك واحد، والتقارب الأميركي التركي البادي وبث الروح في داعش من جديد يهدفان إلى عرقلة معركة الجنوب المرتقبة.
على الرغم من أن لدى هذي الأخيرة الكثير مما يعوقها، لكن أبرز ما طفا على السطح مؤخراً في هذا السياق هو أن كل ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية على امتداد الأسبوع الماضي كان محض خيال ولا أساس له من الصحة، فقد عادت الوسائل نفسها لتقول إن الإعلان عن التوصل إلى اتفاق في الجنوب السوري «جاء ليخدم المصالح الإسرائيلية بالمطلق كما فرضته تل أبيب على الجانب الروسي وحلفائه» أمر لم يكن صحيحاً، وما يجري حتى الآن هو مجرد «تبادل للأفكار» فحسب، والمؤكد هو أن توافقاً حقيقياً يمكن أن يشكل إشارة لبدء إطلاق النار في الجنوب أمر لا يزال بعيداً كما يبدو، فالقلق الذي ينتاب جهات إيرانية كانت قد عكسته وسائل إعلام عائدة لها مبالغ فيه، بل لا يبدو مبرراً.
المشكلة هي أن تلك الجهات باتت تبدو شديدة الحساسية تجاه أي تصريح يصدر في هذا السياق، والمؤكد أن جزءاً كبيراً منه غالباً ما يكون لغايات لا علاقة لها بالمضمون الذي يظهر فيه، وهذا بالتأكيد يزيد من تعقيد الأزمة المعقدة أصلاً وربما كانت هي الأعقد مما صادفه التدخل الروسي في سورية منذ حدوثه، ولا يمكن فهمها فقط على أنها محاولة للتوفيق بين حليفين بينهما عداء مطلق، ولذا من الصعب الوصول إلى حلول لها ترضي جميع الأطراف.
في حيثياتها لم تخف موسكو يوماً أنها تتفهم دوافع الأمن الإسرائيلي، بل قد ذهبت في مرات عديدة إلى تبرير بعض السلوكيات التي كانت تقوم بها تل أبيب في هذا السياق، لكنها في الآن ذاته لا يمكن لها الاستجابة لكل المطالب الإسرائيلية فالاستغناء عن الوجود الإيراني وفي هذه المرحلة بالذات أمر له محاذيره، ثم إن موسكو تدرك أن الضغوط الإسرائيلية في هذا السياق ليست إلا رأس حربة لمشروع أميركي كان قد بدأ منذ الطلعات الأولى لعاصفة السوخوي في أيلول من العام 2015، وهو يهدف إلى إجبار القوات الروسية على نشر قواتها على امتداد الجغرافيا السورية لملء الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الإيراني، وعندها ستصبح تلك القوات دريئة يسهل التصويب عليها وفي حينها ستجري عمليات القولبة وإعادة التأهيل للكثير من الفصائل للتأقلم مع تلك المهمة الجديدة التي ستلقى على أكتافها.
إن ما طرحته موسكو لحل هذه الأزمة هو أنها توافق على الانسحاب الإيراني شأنها شأن كل القوات الأخرى، لكن في المستقبل عند الوصول إلى تسوية سياسية متكاملة، الأمر الذي رفضته تل أبيب لأنها ترى أن ذلك يجب أن يحدث اليوم قبل الغد، والمؤكد أن لتلك الضغوط غايات أخرى تتعلق بمعركة الجنوب المرتقبة، فانسحاب الإيرانيين سيحرم الجيش السوري من دعم لفصائل يصل عديدها إلى 30 ألف مقاتل في وقت هو أحوج ما يكون إليها في معركة تقول المعلومات عنها إن الفصائل المعارضة المنتشرة في تلك المنطقة يصل عديدها إلى 35 ألف مقاتل، والجيش سيكون لزاما عليه الهجوم بقوام لا يقل عن 80 ألفاً وقد يصل إلى 100 ألف بسبب الوضع الجيوبولتيكي المعقد والجغرافي المتباعد لتلك المعركة، وهو سيسعى من أجل بسط سيطرته على كامل الجنوب إلى السيطرة على ثلاث نقاط مهمة لكنها متباعدة جداً الأولى: معبر نصيب إلى الجنوب الشرقي من درعا عند الحدود مع الأردن، والثانية تل الحارة على بعد 12 كم من خط فصل القوات مع إسرائيل في الجولان، أما الثالثة فهي بصرى الحرير على مسافة 30 كم إلى الشمال الشرقي من درعا.
وما يعتبر ايجابياً هنا هو أن جميع الجوار له مصلحة حقيقية في النتائج التي ستفضي إليها تلك المعركة، على حين الأردن يرى أن مصلحته تكمن في استعادة الجيش السوري للسيطرة على الحدود معه لكن دون معارك لأن هذه الأخيرة ستدفع بالتأكيد إلى نزوج لاجئين جدد في وقت يمر فيه بمرحلة عصيبة، ولسوف يكون أمراً من هذا النوع ليس صباً للزيت على النار فحسب بل إضرام للنار من الصعب أن تنتهي، ولذا فإن الراجح في ظل هذا الواقع أن تعمل الولايات المتحدة مع إطلاق الطلقة الأولى لمعركة الجنوب التي ستحاول تأخيرها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً إلى سحب تلك الفصائل تحسباً لإمكان هروبها وانفراط عقدها في وقت ترى فيه أنها لا تزال مفيدة في مواقع أخرى.
في نصف اللوحة الآخر، أي في خطوات التسوية السياسية برز قبل يومين تطور لافت فقد أصدر «مجلس سورية الديموقراطية» يوم الأحد الماضي بياناً أعلن فيه عن استعداده للتفاوض مع دمشق «دون شروط مسبقة»، بل ذهب عضو الهيئة الرئاسية حكمت حبيب إلى القول إنه وفريقه ينظرون إلى كل القوات بما فيها قوات التحالف الأميركي على أنها «تدخلات خارجية»، وربما كان هذا أمراً إيجابياً في المطلق، إلا أن أثره الإيجابي سيكون حقيقياً لو صدر قبل ثلاثة أعوام أي في الفترة بين 2014-2015 عندما كان للموقف الكردي تأثير مهم في ترجيح كفة على أخرى، أما اليوم فالبيان وما حمله معروف الدوافع وهو يرمز إلى يأس كردي من الحليف الأميركي امتزج برؤية جدية دمشق في إمكان ذهابها إلى بسط سيطرتها على الشرق السوري بالقوة، الأمر الذي ألمح إليه الرئيس الأسد قبل أسبوعين، ولذا ارتأى صانع القرار الكردي اقتناص الفرصة قبيل حدوث الهزيمة العسكرية، إلا أنه من المعروف أن هذه الحالة الأخيرة لا تختلف كثيراً عن الحالة الأولى، أي الهزيمة العسكرية، وما ينطبق عليها ينطبق على الأخرى، وباختصار تأخر الأكراد كثيراً، وهذا التأخير لا يتيح لصاحبه القول «من دون شروط» ثم إن الوصول متأخراً ليس دائماً أفضل من عدم الوصول.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!