إيران.. رضوخٌ أم إسقاطٌ للنظام؟

| بيروت- محمد عبيد

يبدو أن الضغط الأميركي لعزل إيران، تمهيداً لجرها إلى طاولة التفاوض حول جميع الملفات السياسية الإقليمية المشتعلة وكذلك العسكرية النووية المُفتَرضة والصاروخية الباليستية، لن يتوقف، بل ستتصاعد وتيرته طبقاً لخطة محكمة تم رسم تفاصيلها بين دوائر البيت الأبيض ومكاتب المجلس الأمني المصغر في حكومة العدو الإسرائيلي.
هذه الخطة التي يحتاج تنفيذها إلى مقدمات أولية تُمَهِدُ لضمان نجاحها أبرزها، أولاً: الاحتواء الإيجابي لكوريا الديمقراطية التي تعتقد واشنطن ومعها تل أبيب أنها التجربة الناجحة الملهمة والمصدر اللوجستي الأساسي للمشروعين النووي والدفاعي الصاروخي اللذين تمكنت طهران من تطويرهما على مدى عقدين ماضيين، لذلك عمدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استخدام نفوذها مع حليفتها الإستراتيجية كوريا الجنوبية لاستدراج بيونغ يانغ وإغرائها بجنةِ نعيمٍ اقتصادية وانفتاح العالم عليها، ما يعني أن ما ينتظر طهران إثر إقفال الملف النووي الكوري الديمقراطي العسكري بامتياز هي حملة إعلامية سياسية تُصَوِرُها البلد الوحيد المتمرد على الإرادة الدولية والذي لابد من الاقتصاص منه للرضوخ لهذه الإرادة، وإلا فلا مناص من تضييق الخناق عليه بشدة.
ثانياً: تغطية واشنطن للاندفاعة العدوانية لقوات ما يسمى «التحالف العربي» باتجاه احتلال منطقة الحديدة في اليمن، وهنا أيضاً تعتقد الإدارة الأميركية أن إلحاق الهزيمة بما تسميه أحد أذرع إيران الإقليمية الأساسية تنظيم «أنصار اللـه»، يعني إسقاط إحدى أهم أوراق القوة التي تمتلكها طهران والتي من خلالها تتحكم بمنفذ بحري إستراتيجي، إضافة إلى اقترابها المُقلِق من القواعد الأميركية المنتشرة على أراضي وشواطئ ممالك ومشيخات الخليج.
ثالثاً: السعي الأميركي إلى إخراج إيران من الساحة السورية، وهو مسار أعادت التمسك به المؤسستان الأمنية والعسكرية الأميركية ومعهما مثيلاتهما في الكيان الإسرائيلي، وخصوصاً بعد تصريحات ترامب الأخيرة حول خيار الانسحاب من الأراضي السورية ما يعني إخلاء هذه الساحة لإيران وحلفائها.
ترى واشنطن ومعها تل أبيب أن الوجود العسكري والسياسي والاقتصادي الإيراني المباشر على الأراضي السورية يوفر لدول وقوى محور المقاومة اطمئناناً إستراتيجياً على صعيد التواصل الجغرافي السياسي الممتد بين العديد من العواصم والمواقع المنضوية في هذا المحور، والأهم يُثَبِت نظرية وحدة الجبهات التي لم تعد تقتصر على مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية بل تجاوزتها لتطال التصدي للاحتلالات الأميركية في الميدانين السوري والعراقي.
على حين يناور الأميركي لإيجاد شرخ في العلاقة بين القيادتين الروسية والإيرانية فيما يعني مقاربة الأزمة في سورية بينهما وبين النظام التركي، ومن ثم إنهاء مسار أستانا والعودة بالحلول المطروحة لهذه الأزمة إلى بيانات جنيف، والأخطر إعادة استحضار خيارات «الكنتنة» العرقية والطائفية.
رابعاً: تطويق حزب اللـه وتدجينه داخل القفص اللبناني، الذراع الأكثر تأثيراً وقوة لإيران وفق التوصيف الأميركي والإسرائيلي، وذلك من خلال تحقيق أمور ثلاثة: الأول، إبعاده قسراً عن منطقة جنوب سورية ومنعه من إنشاء بنى عسكرية تحتية مشابهة لتلك التي يرتكز إليها في جنوب لبنان، إضافة إلى الحد من حرية حركته على الحدود اللبنانية السورية، والثاني، إنهاء ملف ما يسمى ترسيم الحدود البرية والبحرية اللبنانية مع كيان العدو الإسرائيلي، وهو فخ خطر يهدف إلى إعادة ترسيم هذه الحدود تبعاً لمصلحة هذا الكيان وبما يُسقِطُ التمسك التاريخي اللبناني باتفاقية الهدنة المعقودة بين لبنان وفلسطين العام 1949، والثالث، وهو الأخطر ويتمثل بالاستعداد الإسرائيلي للتفاوض مع الحكومة اللبنانية على حدة حول أحقية الملكية في مزارع شبعا وقرية الغجر وهو العرض الذي حمله الأميركي اللبناني الأصل داريل عيسى إلى أكثر من مسؤول لبناني إثر لقاءات كان قد عقدها مع قادة العدو، وهو أيضاً مدار رعاية ومتابعة من صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر كما تؤكد بعض المصادر الديبلوماسية.
تقف إيران اليوم على حافة مواجهة جديدة تبدو مختلفة عن سابقاتها، تستجمع فيها الولايات المتحدة ومعها إسرائيل جميع الأدوات والإمكانيات التي تُمَكِنُهما من حصرها بين خيارين: إما الرضوخ، وهو خيار لم يدخل يوماً في قاموس الثورة والدولة والشعب في إيران على مدى 39 عاماً، وإما إسقاط النظام وهو تحدٍ تمرس على مواجهته الشعب الإيراني خلال تلك الأعوام، إلا أن ذلك لا يلغي ضرورة التحسب والإعداد لصراعات ضروس على المستويات كافة، سيفرض المنتصر فيها شروطه في تسويات المنطقة والعالم المحتملة.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!