«نابولي مدينة مفتوحة» نص إيطالي يحاكي الواقع السوري … مشروع تخرج لطلاب ثلاثة أقسام يثير الأمل في المعهد العالي للفنون المسرحية

| سارة سلامة

بواقع يعكس السطو الأميركي ومرحلة الحرب العالمية الثانية التي عاشتها إيطاليا ولكن بروح ونكهة قريبة لنا وتلامس معاناتنا، وهو يحكي قصة حرب دمرت، وأصوات قصف زلزلت، وسواد يشوب المكان، ونقص في المواد الأولية والدواء هذا ما عشناه لسنوات، كرسه النص الإيطالي الذي قدمه طلاب السنة الرابعة في قسمي التمثيل والسينوغرافيا والتقنيات بالمعهد العالي للفنون المسرحية، بعنوان «نابولي مدينة مفتوحة»، والمأخوذ عن نص «نابولي مليونيرة» للكاتب الايطالي «ادواردو فيليبو»، والعرض قدم بإشراف المخرج حسن عويتي، ومساعدة إشراف الفنانة علا الباشا والدراماتورج للدكتورة ميسون علي. ‏
وجسد فكرة كان لا بدّ لها من الرنوّ في أذهاننا وذاكرتنا، وهي أن الحرب لن تنتهي حتى لو فرحنا اليوم بانتقاص وقعها، فنكون مخطئين لو تجرأنا على نسيانها يوماً، لأن الحرب لن تنتهي طالما نحن أحياء نرزق، كل هذه الإسقاطات لاقت وقعها على مجتمعنا السوري، في حرب آلمتنا جميعاً وتركت فينا جراحاً لا تنسى ومع انتهاء كل شيء كان علينا أن نحتفظ فقط بفسحة أمل تنتظرنا في الأفق القريب.
وقدم الطلاب الخريجون العرض بطاقة كبيرة حيث اتسعت الأدوار والشخصيات لتشملهم جميعاً، ومع وجود أدوار محورية إلا أن أساتذة المعهد حرصوا على تقسيم الأدوار بما يتناسب مع عدد الطلاب وقدراتهم، لذلك كان من الطبيعي ملاحظة تفاوت في الأداء حيث إن العرض قائم على التقييم.

لغد نبيل مبدع

وقالت عميد المعهد جيانا عيد في تصريح خاص لـ«الوطن»: «إننا نبارك في هذا اليوم عبور أبنائنا الضفاف المتعددة في رحلة المعرفة والتجربة غير المنتهية، والتي ستحملهم من الآن إلى عتبات الحلم، ونرجو أن يكون رفيعاً ورفيقاً للحالمين الذين سبقوهم، وسعياً للأسمى والأرقى الذي صنعتموه ونسجتوه كونوا مهرة، والمهرة أصالة وانتماء، ووفاء، ولتكن مدنكم مفتوحة للنور والجمال، وسابقوا الريح لغد نبيل مبدع وألق وأكثر».

قاربنا النص لواقعنا الراهن

من جانبها قالت الدكتورة ميسون علي: «إن العمل في المرحلة الأولى كان لنص «نابولي المليونيرة» للكاتب (إدواردو دي فيليبو) الذي كتبه بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1945، وحاولنا أثناء العرض العمل على النص وإعادة صياغته على الرغم من أنه يتقاطع معنا بموضوع الحرب، ولكن الظرف في سورية يختلف، وحاولنا مقاربة النص لواقعنا الراهن من دون أن نعمل على تبيئ النص، والمتفرج يدرك هذه التقاطعات بين نص نابولي المليونيرة والواقع السوري خلال السنوات السبع السابقة، وهكذا اقتصرت المرحلة الأولى بالعمل على النص وإعادة صياغته بما يتناسب معنا».
وأضافت علي: «عملنا أيضاً على أن تكون المساحات للطلاب متساوية من حيث الحضور والدور الدرامي، وتم اختزال بعض الأحداث وربط المشاهد ببعضها بشكل سببي أكثر ويتصاعد نحو الذروة، ولم يخل ذلك من التعديل في خاتمة النص الأساسي الذي يختتم بنهاية حتمية للحرب، إلا أننا حاولنا أن نقول بأن الحرب لن تنتهي ولو انتهى القصف ودويّ المدافع، لا بدّ من وجود حرب أخرى ربما هي أشد فتكاً من سابقتها».
وبينت علي: «أننا حاولنا عند التحضير للعرض من تقديم كل ما يحتاجه من جهود وذلك على مستوى السينوغرافيا والتقنيات والصوت والإضاءة بمشاركة الأقسام الأخرى في المعهد، حيث لم يكن المشروع التخرج لطلبة التمثيل فقط وإنما لطلبة السينوغرافيا وقسم التقنيات المسرحية».
وعن التفاوت الذي لوحظ في مستوى أداء الطلبة قالت علي: «إنه أمر طبيعي لأن هذه هي دفعة تخرج، ولا بدّ أن يكون هناك تباين في المستوى بين الطلاب، وذلك حسب الشخصية المعطاة لهم، لأننا لسنا في مسرح محترف ونقوم بانتقاء الممثلين والتفاوت في مقدرات الطلبة طبيعي، ولكن من المؤكد أن حسن عويتي عمل على تفجير طاقاتهم الإبداعية إلى الحدّ الأقصى، وطالبهم بإبداء اقتراحات فيما يتعلق بالأداء والعمل على الشخصية وإبراز عوالمها الداخلية وهم استغلوا ذلك جيداً وعملوا بجدية كبيرة على هذا المستوى».

كفاءات كبيرة

وبدوره قال الاستاذ سعد القاسم: «إنه عرض تخرج لثلاثة أقسام في المعهد وهم قسم التمثيل والتقنيات والتصميم، وأشرف على العرض وأخرجه حسن عويتي، والنص اختاره الطلاب بشكل يتناسب مع عددهم وإمكانياتهم، وهي دفعة تحتوي على كفاءات كبيرة، وإذا ما أخذنا في الحسبان ضيق الوقت الذي نفذوا به العرض فنجد أن العرض كان مقبولاً، وقدموا شيئاً جميلاً واستطاعوا نقل الجو والنص والروح الإيطالية إلى بلد تتعرض لحرب أيضاً، كما أن تقنيات الصوت كانت تجربة مهمة في المعهد وأيضاً شباب السينوغرافيا والتصميم، لذلك أرى أن الدفعة كانت على مستوى عال».

الحرب موجودة

ومن جهته بينّ الطالب خالد شباط بدور (جنارو): «أن شخصيتي هو ربّ أسرة يتجاوز عمره 50، عاماً، ولديه عائلة مكونة من زوج وولد وبنت، وجنارو كان عاطلاً من العمل بسبب الحرب العالمية الثانية، وهو شخصية رافضة لأي تحول أو تغيير بسبب الحرب، وهو يعتبر أن الحرب ليس بالضرورة أن تكون مبرراً لنعلق عليها أخطاءنا، وهو بذلك يخالف مبدأ ميكافيلي (أن الغاية تبرر الوسيلة)، وكان دائماً ضد تجارة زوجه في السوق السوداء وبالرغم من أنه متورط بها، وبعد أن غاب أو اختطف مدة سنة وشهرين يعود أكثر رفضاً للواقع الذي يعيشون فيه، ليثبت في النهاية أن نظريته كانت صحيحة وأن الحرب موجودة وهذا الأمر لا يعطينا الحق بعمل أي شيء غير أخلاقي».

شخصية غير متزنة

وتحدثت الطالبة رسل الحسين بدور (ماريا) عن شخصيتها وقالت: «إنها ابنة العائلة التي تشكل محور المسرحية، وهي فتاة مضطهدة وتعاني تسلط والدتها عليها، ونراها في المنزل كالخادمة وذلك في ظل الحرب العالمية الثانية بإيطاليا، وهي شخصية ضعيفة غير متزنة بسبب الضغط وفاقدة للحنان ولا تجد من يحتويها، وتشكل فترة غياب والدها نقلة في حياتها حيث تحب جندياً أميركياً وتجد عنده الملاذ الأخير، وخاصة أنها رافضة للواقع الذي تعيشه، وتجد به الحرية والحلم الأميركي في ذلك الوقت، ومن الجانب الآخر يكون ذلك الجندي غير جديّ في العلاقة معها، وتدخل مرحلة انكسار لأنه تفقد الشخص الذي أعطاها الحب والحنان والعطف وكان يشكل لها كل شيء جميل افتقدته بعائلتها، ولا شك أننا قدمنا أدوارنا وواجهنا الجمهور بكل ما يحمله من طاقة حب كبيرة، والممثل بحاجة ماسة لآراء الآخرين والناس لأنه تحت الضوء».

طاقة الجمهور قوية جداً

أما الطالب غيث بركة بدور (ريكاردو) فقال: «شخصيتي هي محاسب بالحزب الفاشي الذي كان يحكم إيطاليا في تلك الفترة، وعند توقفه عن العمل في فترة الحرب يبيع كل أغراض منزله وأثاثه من أجل إطعام عائلته، ويصل إلى مرحلة رهن البيوت التي يسكنها حيث يصل إلى وضع سيئ مادياً، كما أن العرض كان جميلاً وطاقة الجمهور كانت قوية جداً فأخذت طاقتي منهم».

المشاركون

يذكر أن العرض احتوى على ثلاثة فصول بمدة 100 دقيقة يؤديه 11 مرشحاً للتخرج هم: (بشار أبو عاصي وجولييت خوري وحسام سلامة وخالد شباط ورسل الحسين وساندي نحاس وعلياء سعيد وغيث بركة ونادر عبد الحي ونور علي ووليم العدون إلى جانب مجموعة من طلبة السنة الثانية هم آية محمود وحسن خليل وعلاء زهر الدين وميخائيل صليبي ويوشع محمود). ‏
والسينوغرافيا للطلاب: (أيسر الجوابرة وباسل جبلي ونارت شروخ)، الصوت لجورج كرم، أما الإضاءة فصممها كنان يوسف، وأشرف على السينوغرافيا المدرسون نزار بلال في الديكور وسهيل شلهوب في المكياج وريم شمالي في الأزياء وهبة عجيب مساعد مكياج وفي التقنيات كل من المدرسين قصي الدقر في الصوت وأماني فرج في الإضاءة أما الإشراف العام فلعميد المعهد العالي للفنون المسرحية جيانا عيد.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!