قضايا وآراء

الناتو العربي ضرب من الخيال

| محمد نادر العمري

كثرت في الآونة الأخيرة تسريبات تتحدث عن إنشاء «ناتو عربي» بتزعم أميركي في منطقة الشرق الأوسط بحسب ما أوردته وكالة رويترز منذ أسبوع نقلاً عن مصادرها في البيت الأبيض. من حيث الشكل تسعى كل من تل أبيب وواشنطن إلى تغيير مقاربات الصراع واتجاهاتها وأطرافها في هذه المنطقة تحت ذرائع متعدد كالحماية من الخطر الإيراني أو ما سمي «بالتمدد الشيعي» ومحاربة الإرهاب.
هذه الفكرة التي تعد نسخة معدلة عن «حلف بغداد» طرحت في عام 2016، وبالتحديد منذ بدء الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ تطرق إليها في أكثر من مناسبة وهناك بعض التسريبات تفيد أنه وخلال قمة الرياض 2017 تم إحياء هذا المشروع وضخ الدماء إليه.
يبدو أن إدارة البيت الأبيض تريد تحقيق أهداف متعددة بهذا التوقيت من خلال إعلانها أو عزمها إعلان مثل هذا التحالف، رغم وجود حقل من الألغام والمعوقات:
أولاً- مجرد التهديد بإنشاء أحلاف عسكرية لضبط العلاقات بين دول الشرق الأوسط، هذا يعني المحافظة على التجزئة والخلاف بين دول هذه المنطقة بما يهدد بمزيد من الكوارث وحروب بالوكالة بشكل يغرق جميع الفاعلين الإقليميين، باستثناء إسرائيل، ويستنزف قوتهم على غرار حرب العشر سنوات بين العراق وإيران.
ثانياً- إنشاء مثل هذه التحالفات يوجب على أعضائه أو الراغبين بالانضمام إليه التزامات وتنازلات أمنية وسياسية وعسكرية واقتصادية من شأنها أن تزيد من هيمنة القرار الأميركي على باقي الأعضاء سياسياً وتحفز اقتصاده بموجب الحاجة لتحقيق اكتفاء عسكري.
ثالثاً- إعلان هذا التحالف يشكل فصلاً من فصول الضغط الأميركي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يمكن إضافته إلى مجموعة الضغوط السابقة التي ما لبثت إدارة ترامب منذ وصولها للبيت البيضاوي من فرضها على طهران عبر التلويح بالحرب الكلاسيكية أو الناعمة.
رابعاً- انضمام دول عربية لهذا التحالف مثل السعودية والإمارات والأردن والضغوط التي تمارس على مصر إلى جانب الكيان الإسرائيلي، هذا يعني انزياحاً لنفوذ الناتو «الأم» أي «الحلف الأطلسي» لمنطقة الشرق الأوسط أولاً ومن جهة ثانية إيجاد الغطاء السياسي للتطبيع العربي الإسرائيلي وفق ما اشترطه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مراراً قبيل الدخول في أي عملية سلام، ولذلك سارعت الصحافة الخليجية لتكريس هذا التطبيع عندما «اعتبرت الخطر الأكبر على العرب ينبع من إيران وليس إسرائيل» وفق وصف صحيفة «الرياض» السعودية في منتصف نيسان الماضي.
خامساً- محاولة احتواء التوسع الروسي الصيني غرب آسيا والتصدي للمشاريع الجيوسياسية وبخاصة المشروع الأوراسي وخط الحرير وتهديد أمن دول البلقان.
الاختبار الأبرز والأكبر الذي يشكل تحدياً أمام الولايات المتحدة الأميركية، يكمن في إمكانية قدرتها على نقل هذا المشروع من واقع البحث خلف الكواليس وعلى طاولة المباحثات إلى الواقع الميداني، فكل المؤشرات تتجه في عدم القدرة على ولادة هذا المشروع حياً أو على الأقل منسجماً وقوياً، إن كتب له الحياة، لعدة اعتبارات أهمها: اختلاف استراتيجيات أعضاء هذا الحلف وتناقض مصالحهم وأوضاعهم الداخلية، فأميركا تشهد صراعاً داخل مؤسساتها داخلياً وتعاني في ذات الوقت من انكفاء لنفوذها وتأثيرها على الساحة الدولية، والكيان الإسرائيلي ليس بأفضل حالٍ من أميركا فهي تمر بحالة تخبط أمني وعسكري وسياسي نتيجة انهيار أجنداتها في سورية وتخلخل قدرتها الردعية وتفوقها العسكري في صراعها مع جبهات المقاومة التي شهدت مؤخراً تداخلاً في جبهاتها، ومصر التي تخوض حرباً ضد داعش والإخوان المسلمين هي بحالة توتر اجتماعي وهشاشة اقتصادية، والأردن أولويته الحفاظ على شرعية نظامه الملكي، بينما السعودية والإمارات غارقتان في المستنقع اليمني والتباين بينهما أصبح يطفو على السطح أكثر من أي وقت مضى في ظل إخفاقهما في تحقيق أي إنجاز عسكري وبخاصة بمعركة «الحديدة».
إن هذا التحالف هو أمام مخاض وولادة عسيرة قد لا يرى النور، ويبقى حبيس المكاتب والتهديدات فقط.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock