حفاة القرن

| نبيه البرجي

مقاربة فرويدية لمفهوم «الشرق الأوسط الجديد» في اللاوعي، والوعي، الأميركي: أن يتحول عرب اليخوت الفاخرة، داروينياً، إلى عرب الأقدام العارية حفاة القرن!
إطلالة بانورامية على عائدات النفط منذ اللقاء الشهير بين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس فرنكلين روزفلت على متن البارجة كوينسي غداة مؤتمر يالطا في شباط 1945.
الرئيس الأميركي الذي قطع نصف الكرة الأرضية، تقريباً، وفي ساقيه سبعة كيلوغرامات من الحديد، لم يتوجه إلى مصر من أجل عيني صاحب الجلالة، جاء من أجل النفط، فالأهم أن تكون المملكة بمنزلة العصا الغليظة في اليد الأميركية لتفكيك ديناميات الحداثة في العقل العربي، وتبديد الثروات، والأزمنة، إن على أرصفة ألف ليلة وليلة أو على تسويق الإيديولوجيات الهجينة.
منذ نشأتها، المملكة استضافت، أو استقطبت، كل أشكال الحثالة السياسية في المنطقة، دراسات لا تحصى حول العائدات الخرافية التي لو تم توظيفها في بناء الدول، وفي بناء المجتمعات، لكنا أمام نمور الشرق الأوسط، وقبل وقت طويل من نمور الشرق الأقصى.
أثناء زيارتي أحد المصانع في حلب، في إطار مؤتمر عقد في المدينة، وكانت هناك مداخلات رائعة حول المحطات المحورية في طريق الحرير، استقبلني شخص بريطاني، سألته هل كان استشارياً. فاجأني بالقول «… بل شريك».
تحادثنا حول المدينة، وحول التوقعات، قال لي إنه بعد عقد من الزمان، ستكون سورية «النمر» في العالم العربي. منذ تلك اللحظة، راح الهاجس يلاحقني عما إذا كانت لعبة الأمم التي في تقاطع مبرمج مع لعبة القبائل، ستتيح الفرصة أمام سورية للدخول في عالم الصناعات الكبرى.
ما حدث أبعد بكثير من أن يكون مجرد سيناريو كلاسيكي. كل الخطوط العريضة، وكل التفاصيل، وضعت في المطابخ الدولية، وفي المطابخ الإقليمية. الآن، الذين شاركوا في السيناريو، إعداداً أو تنفيذاً أو تمويلاً، في حالة الصدمة. الفينيق يغتسل، وسورية تعود، شيئاً فشيئاً، إلى بهائها. إلى الدور المركزي في الشرق الأوسط، طريق الجلجلة، كان طويلاً، ومريراً، وشاقاً. الدولة تعود الدولة، الدور يعود الدور. للقاصي والداني، هذه هي سورية، قلب العرب. ضمير العرب.
أياً كان كلام الغربان بالياقات البيضاء، ريتشارد هاس، مسؤول الشرق الأوسط السابق في مجلس الأمن القومي، لاحظ أن المسار الذي أخذته التطورات على الأرض السورية أدى إلى زعزعة التصورات التي تمت بلورتها بين الولايات المتحدة وكل من تركيا، والسعودية، وإسرائيل، لترسيخ واقع جيوستراتيجي مفكك الأوصال.
في واشنطن يقال: «ابحث عن الثور في رأس دونالد ترامب»، والرجل الذي ينظر إلى الآخرين من ثقب في رأسه، يفتقد الحد الأدنى من الرؤيوية في التعاطي مع عالم ليس مسطحاً، كما تخيله توماس فريدمان في كتاب له بعنوان «عالم مسطح».
هناك التضاريس الإيديولوجية، التضاريس الإستراتيجية، التضاريس الثقافية، والتضاريس الاقتصادية. هل كان دونالد ترامب يتصور أن كيم جونغ أون يرقص وحيداً في وسط الحلبة؟ هنري كيسنجر الذي حمل ريتشارد نيكسون إلى ماو تسي تونغ هو من أقنعه بأن مد اليد إلى بيونغ يانغ يدفع بها، تدريجياً، إلى التحليق خارج السرب الروسي والصيني.
خطوة كيسنجر حملت الباحث الأميركي البارز ليسلي غليب على الذهول. قال «إن الرجل الذي تعدى التسعين مصاب بالبارانويا ». هو صاحب النظريات الإستراتيجية المعقدة، والمركبة، كيف له ألا يكون على بيّنة من المعادلات الخفية، من اللعبة الخفية. الزعيم الكوري الشمالي لا يمكن أن يتحول إلى طبق من الهوت دوغ على مائدة دونالد ترامب.
الرئيس الأميركي الذي أحدث تصدعات جيولوجية في المشهد الدولي، سيكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن الرهان على الدمى في الشرق الأوسط (ولا سيما الدمى الناطقة بالعربية) هو رهان الأغبياء.
قد لا يكون بحاجة إلى شخص آخر ليقول له «أيها الغبي»!

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!