روسيا وتركيا.. هل تمنع أستانا إنهاء ملف إدلب عسكرياً؟

| عامر نعيم الياس

لم يبقَ من مناطق خفض التصعيد التي اتفق عليها في عام 2017 بين روسيا وتركيا وإيران، سوى محافظة إدلب التي تصفها صحيفة «نيويورك تايمز» بأنها «مركز الثقل السياسي والعسكري الأخير للمعارضة السورية»، وبموجب أستانا فقد أنشئت في أيار 2017، 12 نقطة مراقبة تركية على طول محافظة إدلب، و7 نقاط مراقبة إيرانية، و10 نقاط مراقبة روسية، ضمنت تفرّغ الجيش السوري للعمليات العسكرية في المناطق الأكثر أهمية في البلاد وفي أولويات الحلفاء العسكرية. لكن بعد تحرير الغوطة الشرقية، وجنوبي سورية بالكامل بما فيه محافظة درعا، والعمليات العسكرية المستمرة في بادية السويداء، وانتشار الجيش العربي السوري على طول الحدود الأردنية السورية، وعلى شريط فصل القوات في الجولان السوري المحتل، فإن الوجهة المقبلة للعمليات العسكرية، والمعركة الأخيرة المنتظرة مع تجمّع المجموعات المسلحة الذي يعمل بالوكالة عن القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع السوري، هي إدلب المحافظة، فهل يلعب التوافق الروسي التركي والتقاء المصالح دوراً في وقف هذه العملية؟
بدايةً كان لإعلان المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرنتييف، في 31 تموز الماضي عن أنه لا عملية قريبة في إدلب، وأن روسيا تتوقع من تركيا التنسيق مع المعارضة السورية المعتدلة من أجل إيجاد حلول لمشكلة جبهة النصرة وواجهتها الحالية «هيئة تحرير الشام» في إدلب، الدور الأبرز في استناد بعض المهتمين في الشأن السوري على دحض فكرة أي عملية عسكرية في إدلب في الوقت الحالي، فضلاً عن جملة أسباب في مقدّمها، الخوف من عملية نزوح جماعي من إدلب إلى تركيا، ومن المعروف أن المحافظة تضم حوالي 70 ألف مقاتل متطرف، و2.5 مليون مدني وفق إحصاءات الغرب التي أثبتت أكثر من مرة عدم مصداقيتها. فضلاً عن دور عملية أستانا في كبح أي اندفاعة روسية لكون موسكو تحتاج إلى دعم أنقرة في سورية لتسويغ المقاربة التي تعتمدها حيال الحرب في سورية، وتشكيل ثقل مضاد لانتقادات الغرب ممثلاً بواشنطن وتحالفها للحرب على الإرهاب، وحلف الناتو.
إن الأسباب السابقة، وعلى الرغم من أنها موجودة بالفعل على أرض الواقع وتطرح نفسها بقوّة، ولا يمكن بحالٍ من الأحوال تجاهلها، إلا أنها ليست بمنزلة عراقيل نهائية تمنع حدوث العملية، بل إن الردّ عليها حاضر على أرض الواقع، ويضع إدلب على صفيحٍ ساخن وفي مواجهة عملية عسكرية قادمة لا محالة، وذلك اعتماداً على الآتي:
– في ما يخص الخوف من النزوح الجماعي، حاول الغرب والأمم المتّحدة اللعب على الوتر ذاته في ما يخص جنوبي سورية، قبيل معركة تحرير محافظة درعا، وتتالت التقارير الأممية وتقارير المنظمات غير الحقوقية عن توقعات بمليون نازح قد يتّجهون إلى الكيان الصهيوني والأردن، لكن ما حصل أثناء العملية أثبت عكس ذلك، فمسار المصالحات في أطراف المحافظة الجنوبية لسورية، وسرعة انهيار الجماعات المسلحة أدّيا إلى عودة النازحين الذين تركوا قراهم ومدنهم فترةً قصيرة، كما أن بعض القرى لجأت إلى المصالحة الكاملة وبقيت مجموعاتها المسلحة المحلية فيها ولم تشهد أي معركة.
– دور عملية أستانا هو الآخر بدأ بالتراجع لمصلحة المسار الموازي في سوتشي، فمناطق خفض التصعيد هي مناطق مؤقتة، وقد تم تحرير أغلبها، فيما لم يبقَ إلا إدلب، وسرعة الانتصارات العسكرية على الأرض للجيش السوري والحلفاء، وتغيّر الخريطة الميدانية، فضلاً عن عقد المؤتمر الأخير لـ«أستانا» خارج العاصمة الكازاخية وفي سوتشي، التي تعدّ أساس العملية السياسية التي تديرها روسيا في سورية، مؤشرٌ على تراجع مسار أستانا لمصلحة الأمر الواقع الجديد.
– اتفاقات أستانا تنص على محاربة جبهة النصرة والمجموعات المرتبطة بها، وهذا أمر يضع تركيا الراعية للجماعات المتطرفة المسلحة في شمال سورية في موقف لا تحسد عليه، فهي إما أن تضغط لتنفيذ الفصل الجغرافي بين الفصائل للسماح باستهداف النصرة أي «هيئة تحرير الشام» من جانب الجيشين الروسي والسوري، وإما أن تقوم بشن حرب تصفية في المرحلة الأولى وتثبت قدرتها على الوفاء بالتزاماتها إن كانت تريد أن تحافظ على نفوذٍ ما في شمالي غربي سورية، وهذا الأمر محدود بمدة زمنية قصيرة وليست طويلة الأجل. وفي هذا السياق جمعت تركيا الفصائل الموالية لها في 28 أيار الماضي تحت راية واحدة سمتها «الجبهة الوطنية للتحرير» وتتضمن أحد عشر فصيلاً منضوياً في إطار ما يسمى «الجيش الحر» ومنها «فيلق الشام، جيش النصر، جيش إدلب الحر، إضافة إلى الفرقتين الأولى والثانية الساحلية، الفرقة الأولى، الفرقة 23، الجيش الثاني، جيش النخبة، كتيبة الحرية، لواء شهداء الإسلام داريا» وقد انضمت إلى الجبهة كلّ من «جبهة تحرير سورية» التي تضم كلاً من «أحرار الشام» و«نور الدين زنكي»، و «جيش الأحرار» و «صقور الشام».
– نقاط المراقبة الخاصة بفصل القوات المتحاربة ضمن اتفاقية خفض التصعيد لم تمنع القوات الجوية الروسية والسورية من قصف المناطق التي فيها إرهابيو النصرة، ولم تمنع العملية العسكرية في جنوب شرق محافظة إدلب والتي بموجبها حرر الجيش السوري والحلفاء حوالي ثلث مساحة المحافظة، وهذا أمر ينطبق على الوضع القائم اليوم.
– الدور الكردي في سورية، والحوار الذي تجريه ما تعرف باسم «قوات سورية الديمقراطية» مع الدولة السورية واستعدادها للمشاركة في معركة تحرير إدلب، والأسس التي يقوم عليها هذا الحوار، والذي إن وصل إلى النهايات المرجوة يسحب حجّة الخوف التركي من المشروع الكردي الانفصالي من التداول، ولا يبقى أيّ مسوغ لوجود تركي في شمالي غربي سورية.
– ما يتم الترويج له في بعض مراكز الأبحاث الأميركية عن «هجومٍ محدود النطاق على أطراف إدلب الجنوبية والغربية والشرقية» هو اليوم بمنزلة مرحلة أولى من العمليات العسكرية والتكتيك العسكري للجيش السوري والقوات الحليفة، والتي تم تطبيقها في غير مكان على الجغرافيا السورية، والتي يضمن الجيش بموجبها تشديد الضغط الميداني وإرفاقه بمسار مصالحات الأطراف، والتي تعجّل بدورها في تحرير أي منطقة من الإرهاب.
لا يبدو أن أنقرة في وارد المواجهة مع روسيا والدولة السورية، وعلى الرغم من النفوذ العسكري القوي لتركيا في شمالي غربي سورية، وأهمية إدلب في تدعيم ما بقي من الرواية الغربية حول وجود «ثورة» في سورية، إلا أن الشمال ليس أهم من الجنوب، وما لم تقدر عليه الولايات المتّحدة والكيان الصهيوني في الجنوب، لن تستطيع تركيا المثقلة بعلاقات متوترة مع إدارة ترامب، واتفاقات موقعة مع روسيا وإيران، مواجهته.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!