ثقافة وفن

اللغة العربية في زمن العولمة… التحديات والآفاق … د.سليطين: تلاشي الاهتمام باللغة القومية عند الأجيال الجديدة نتيجة الإقبال على لغة الغالب المنتشرة

| سوسن صيداوي

لغتنا هويتنا، وأداة للتواصل والتعبير عبر آلاف السنين، ولكن ماذا عن الإنسان الجديد الذي ستلده ظروف العولمة الجديدة والمتحلل من كل انتماءاته السابقة، أسئلة تنطلق من هنا ولكن للإجابة عنها صدر كتيب (اللغة العربية في زمن العولمة… التحديات والآفاق)، تأليف د. وفيق محمود سليطين، والصادر حديثاً عن الهيئة العامة السورية للكتاب، ضمن سلسلة «قضايا لغوية»، من القطع المتوسط ويقع في 64 صفحة، وفي تقديم الكتاب يعتبر الباحث بأننا إذا ما أردنا تنمية رأس مالنا الرمزي الذي تمثلّه اللغة، وجب أن يكون لنا موقع على خرائط التغيير، نعززه بالمشاركة، وبالإسهام فيما يجري دفاعاً أو تعديلاً. وهذه المشاركة تتطلب، بلا شك، التسلّح بأدوات العصر ومعارفه. وإثبات هذه المشاركة هو إثبات للغة الفاعل وتحصين لها. وعلى ذلك يكون حضور الذات اللغوي محصلة للقوى وللفاعليات الحضارية للأمة، وليس مبدأ مكتفياً بذاته.

العناية باللغة
عن العناية باللغة الأجنبية يقول د. سليطين بأن العناية بلغة الآخر استدعت حضورا دونيا للغة الذات، ويقول قوله هذا من دون أن يقصد التقليل من أهمية العناية باللغة الأجنبية، أو من سبل الانفتاح على لغة الآخر للاستقدام منها والتفاعل معها، ضمن رؤية إستراتيجية تحفظ التوازن، وتلبي غايات التطور، وصولا إلى المشاركة في الإنتاج، إنتاج العلوم والمعارف، بدلا من الركون والعطالة والاستهلاك. متابعا بأن العلاقة المختلة في غياب التبصرات الضرورية، انتهت بالمعادلة في واقع التعليم، إلى شيء من تلاشي الاهتمام باللغة القومية عند الأجيال الجديدة نتيجة الإقبال على لغة الغالب التي تعم مجالات الوجود في مختلف قطاعات الإنتاج والمعرفة وتطبيقات العلم، مشدداً على أن ما يزيد الأمر سوءا هو الدونية اللغوية في البدء المبكر في تعليم اللغات الأجنبية، مع ما يصاحبه من الانصراف عن اللغة الأم منذ سني الطفولة، مشيراً إلى أن الضرر هنا لا يقتصر على اللغة، بل يتعداه إلى الثقافة والهوية.

الحفاظ على اللغة
يقول سليطين تحت عنوان المجال الثقافي وتحديث اللغة، بأن أمر الحفاظ على اللغة بدعمها وتحديثها وتيسير شؤونها، ليس أمرا رغبويا أو إرادويا يتوقف على الحماسة والتجرد للفعل، على الرغم مما تؤديه الجهود المبذولة هنا وما تنهض به من وظائف، موضحاً بأن واقع اللغة تتدخل فيه عوامل مختلفة أشار إلى بعضها: وضع الجماعة اللغوية والمؤسسات الفاعلة في الموضوع، فضلا عن عوامل أخرى محددة كالعوامل السياسية والاقتصادية، متابعا بأنه يمكننا تصنيف هذه العوامل في حقلين: عوامل داخلية تتصل بخدمة اللغة وتجديد حيويتها بالاشتقاق والتعريب والنحت والترجمة والتوسيع الدلالي، وعوامل خارجية تتصل بموقع اللغة، أو بموقع أهلها بين الأمم في سياق الإنتاج العلمي والوجود الحضاري.

المعرفة باللغة القومية
تحت عنوان «اللغة العربية وتحولات العولمة الفعل والاستجابة»، أوضح المؤلف بأن ما يشهده العالم من تحرير السلعة وتدفق رأس المال المعولم واختراق الحدود القومية بفعل الشركات العابرة للقوميات وسياسات الانفتاح الاقتصادي لتوحيد العالم على مستوى السوق. وبأن كل ما سبق وغيره من التحولات المصاحبة التي تتعدى المجال الاقتصادي إلى المجالات الثقافية والسياسية، حمل لغة المركز العولمي على اكتساح أرجاء المعمورة، متابعا بأنه بحكم العلاقة التي تربط اللغة بالهيمنة المتمثلة في النظام الاقتصادي الجديد وبالانفجار المعرفي المبني على ثورة المعلومات، باتت اللغة القومية مهددة بالانحسار والتلاشي أمام لغة الغالب الحاملة للتحولات الجديدة والحاكمة لمجتمع المعرفة والتواصل وتدفق المعلومات. خاتما هنا بأنه من آيات ذلك ما يلاحظ اليوم من توجه بعض سياسات التعليم في الوطن العربي إلى ربط التعليم بالسوق، واعتماد اللغة السائدة في ميادين الإنتاج العولمي، لإحراز الغاية المؤملة من فتح سياسات التعليم الجديدة على احتياجات سوق العمل.

الوعي اللغوي الجديد
حول هذه النقطة تابع الباحث بأن الوعي اللغوي الجديد هو في الآن نفسه ثقافي وحضاري يلبي حاجات التغيّر، ويسد الهوة التي يحدثها التسارع العولمي في معطياته المتصلة بثورة الاتصال والمعلومات وتكنولوجيا المعرفة. مشيراً إلى أن مفهوم «المعاصرة» يقتضي هذا الوعي لتجاوز الفوات التاريخي للأطراف ويقتضي على المستوى الخاص باللغة العربية تضافر الجهود لمدّ جسور التواصل داخل اللغة نفسها على النحو الذي يهيئ لبنية عقلية جديدة، تحملها اللغة وتنطوي عليها.

في الختام
في آخر البحث أشار سليطين إلى أن الحلول في وجوب المزاوجة بين النهضة واللغة، أو بين المشاركة في صنع العالم وتجديد اللغة بالتفاعل والتبادل، وتوسيع السياق والانفتاح على الوافد وتبيئته في عمليات التخصيب والإغناء المتبادل بين اللغة والحياة. وذلك ما يتطلب من الإسهام في مجرى الثقافة المعاصرة والاضطلاع بدور فاعل في إنتاج حضارة العالم الجديد، متابعا بأن هذا كله يقتضي منا في المقام الأول إعادة النظر جذريا في أوضاعنا العربية لإزالة العوائق وتوحيد الجهود بالعمل على تحقيق المستوى الضروري من تكامل الموارد وتضافرها بالعمل على تحقيق المستوى الضروري من تكامل الموارد وتضافرها، وتفعيل العمل المشترك في ضوء إستراتيجية كبرى تمكنه من تجاوز أوضاعه المتأخرة وتهيئ له الزخم الضروري لانطلاقة جديدة نوعيا تضعه في قلب العالم المعاصر سيتبدى أثرها في مستوى تجديد اللغة وتمكينها.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock