قضايا وآراء

الجولان وخط الأزمة

مازن بلال : 

تدخل «إسرائيل» مجدداً على خط الأزمة السورية، فجبهة الجولان المشتعلة مع الإرهاب لم تعد «حزاما للهدنة»؛ فهي مسألة معلقة منذ أن انسحبت قوات حفظ السلام منها، وهي في الوقت نفسه مرهونة لجملة احتمالات تحاول «إسرائيل» القفز عليها، فانتشار المجموعات الإرهابية لا يقلل من إمكانية ظهور «بنية مسلحة» يمكن أن تشكل خطراً على «أمن المستوطنات»، كما أن مسار الأزمة السورية لا يوحي بحلول يمكن أن تؤدي إلى عودة خط فك الاشتباك لعام 1974، ورغم أن الحدث السوري أنهى بالمعنى العميق الشكل السابق لـ«محور المقاومة»، لكنه في الوقت نفسه أعاد تشكيل قوى هذا المحور ضمن ترابط «ميداني»؛ فـ«المقاومة» لم تعد مسألة جبهة عسكرية في الجنوب اللبناني أو في غزة، بل هناك تداخل عسكري أعاد نشرها في مناطق مختلفة، وكان الجولان مسرحاً إضافياً لهذا الانتشار.
ضمن الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة يبدو الرد العسكري مشوشاً إلى حد كبير، فهو استهدف بشكل كلاسيكي مواقع الجيش السوري، في حين قامت «إسرائيل» بمحاولة أخرى عبر ضرب سيارة مدنية ضمن عملية ترى أنها «نوعية» ومعتمدة على الرصد الاستخباراتي، وبغض النظر عن صحة «التوقعات الإسرائيلية» في استهداف السيارة المدنية؛ فإن العمل العسكري بذاته يضعنا أمام مؤشرين أساسيين:
– الأول: الخشية «الإسرائيلية» من تأسيس بنية عسكرية شبيهة لجبهة الجنوب اللبناني، وهو أمر وارد وقابل للتحقق مع انهيار خطوط الفصل على جبهة الجولان، ويبدو أن العلاقة التي تربط «الجيش الإسرائيلي» مع المجموعات الإرهابية له صلة بهذا الأمر تحديدا، فهي غير مستعدة لإعادة تجربة «جيش لحد» في الجنوب اللبناني، وفي الوقت نفسه تستفيد من بعض الدعم للمجموعات الإرهابية من أجل عرقلة ظهور بنية عسكرية للمقاومة.
– الثاني إدراك إسرائيل أن أي بنية عسكرية للمقاومة لن تنتشر جغرافيا بنفس الطريقة كما حدث في الجنوب اللبناني، فهناك اختلاف على طرفي الحدود يجعل من المنطقة الشمالية الغربية لجبهة الجولان هي الأكثر أهمية، وبالتالي تصبح «المهمة الإسرائيلية» مختلفة تماما في الجولان، فالهدف الأول هو منع الربط الميداني ما بين جبهة جنوب لبنان والجولان السوري المحتل.
عمليا فإنه منذ العام الثاني للأزمة السورية لم تعد اتفاقية فصل القوات كافية لـ«إسرائيل»، وبات التفكير السياسي يتجه نحو تضمين أي حل للأزمة نوعا من الضمانات لحل الاشتباك السوري – «الإسرائيلي» المزمن، لكن هذا الأمر يبدو بعيداً في إطار الآلية المعتمدة دوليا؛ الأمر الذي دفع «إسرائيل» إلى فتح قنوات سياسية مع بعض أطراف المعارضة، وعسكرية مع المجموعات الإرهابية المنتشرة في الجولان، ولكن في المقابل لم تظهر «إستراتيجية» واضحة للتعامل مع «الجولان»، وينعكس هذا الأمر في التأهب العسكري وفي «الوثائق» العسكرية التي تحدد اتجاه التعامل «الإسرائيلي»، فهي في النهاية تملك خطة عسكرية وليست سياسية، وأزمتها أساسا في الترابط الميداني الناشئ لمحور المقاومة رغم التخلخل السياسي داخل هذا المحور، فالجولان لم يعد قضية مرتبطة بصراع بين جيشين بل بات مفتوحا على احتمالات تتجاوز المعارك التقليدية، وربما جميع الحلول السياسية التي نشطت منذ انطلاق قطار التسوية، وهو ما يجعل الصراع مستقبلا أزمة حقيقية في ظل عدم استقرار يطال المنطقة كلها بما فيها «إسرائيل».

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن