أسئلة مشروعة حول «سوتشي»

| بيروت – محمد عبيد

«الاحتواء» هي السِمَة الغالبة على السياسة التي انتهجتها روسيا وما زالت في تعاطيها مع نظام أردوغان منذ إسقاط الطيران الحربي التركي طائرة روسية في خريف عام 2015.
وهي أيضاً المُعطى الذي جعل من روسيا محجاً فصلياً لأردوغان طمعاً بعطف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتفهمه للضغوط المجتمعة على رئيس النظام التركي داخلياً وإقليمياً وأوروبياً وبالأخص أميركياً.
وهي ثالثاً الملجأ الذي حمى ويحمي تركيا من الانصياع المطلق للرغبة الأميركية والقبول بـ«المساكنة» مع قوى انفصالية أو «إرهابية» كردية وفق تصنيف أنقرة، مقابل حفظ مقعد لأردوغان حول طاولة البحث في مستقبل سورية!
على أن سياسة الاحتواء هذه التي منحت نظام أردوغان فرصاً متعددة للإيفاء بالتزامات كان قد قطعها لروسيا ولإيران معاً في أكثر من لقاء رئاسي أو وزاري صارت اليوم على المحك، وخصوصاً بعدما استكمل الجيش العربي السوري استعداداته لإعلان ساعة الصفر للبدء بمعركة تحرير مدينة إدلب. هذه الالتزامات التي تبدأ بالقضاء على ما يسمى «هيئة تحرير الشام» والمجموعات الإرهابية المرتبطة بها ولا تنتهي بانسحاب قوات الاحتلال التركية من الأراضي السورية، بل بالتسليم تباعاً بسيادة الدولة السورية الشرعية برئاسة بشار الأسد على كامل أراضيها وحدودها، وذلك مقابل الفوز بشراكة سياسية مع حليفي سورية الإستراتيجيين: روسيا وإيران للمساهمة بالحل المنشود للأزمة في سورية.
غير أن أردوغان كعادته اختار المراوغة ومحاولة التنصل التدريجي من عهوده، مراهناً على الوقت الذي يمكن أن يحمل في لحظة ما متغيرات سياسية إقليمية ودولية تخرجه من عنق الزجاجة وتجنبه دفع ثمن تورطه بدم الشعب السوري.
ربما يظن رئيس النظام التركي أن اشتداد التجاذبات الدولية والتهديدات التي رافقتها حول إمكانية التدخل العسكري المباشر في سورية تحت ذريعة منع حدوث «كارثة إنسانية» في حال بدء العملية العسكرية المنتظرة لتحرير إدلب، هي المتغيرات التي كان ينتظرها والتي ساهم بالترويج لها عبر نشر معلومات وتصريحات حول تداعيات هذه العملية على أوروبا تحديداً والعالم أجمع نتيجة تدفق اللاجئين، وخصوصاً أن حملته هذه تصاعدت إثر عودته من لقاء القمة في طهران في السابع من الشهر الجاري.
ربما يعتقد أن الفرصة الجديدة التي منحه إياها شريكيه في منظومة «أستانا» ستمنحه المزيد من الوقت للاستمرار في المراوغة، لكن التاريخ الذي حدده بوتين منتصف تشرين الأول المقبل كموعد للبدء بتنفيذ الإجراءات الميدانية المشتركة بين القوات الروسية والتركية معاً، سيكشف النوايا أولاً وكذلك الصدق في الالتزام بمذكرة التفاهم المشتركة بين موسكو وأنقرة والتي تطرح جملة من الأسئلة المشروعة أبرزها:
أولاً: من سيُخرِج المسلحين «إرهابيين» كانوا أم ما يسمى «معتدلين» من المنطقة التي من المفترض أن تصير منزوعة السلاح بعمق 15 كلم، ومن سيدير شؤون المواطنين السوريين الإدارية والحياتية والمعيشية فيها؟
ثانياً: كيف سيتم رسم خط تماس بين مناطق احتلال المجموعات الإرهابية والمناطق التي تحتلها مجموعات مسلحة «معتدلة»، وما مصير المواطنين السوريين في المنطقتين، ألن يتعرضوا لكارثة إنسانية عند فصل تلك المنطقتين وفرز سكانها تبعاً لولائهم، والأهم إلى متى سيبقى المسلحون الإرهابيون يحتلون «منطقتهم»؟
ثالثاً: من سيضمن أمن القوات الروسية التي ستقوم مع «القوات التركية» بدوريات مشتركة لضمان تنفيذ مذكرة التفاهم العسكرية، وخصوصاً أن القوات الروسية مصنفة كقوات معادية للمجموعات المسلحة على اختلاف تسمياتها، ألن يؤدي ذلك إلى تورط الشرطة العسكرية الروسية في حرب استنزاف في حال تمكن أعداء موسكو واخصامها من توظيف بعض المجموعات المسلحة ضدها؟
رابعاً: هل سيُسمح لأردوغان بربط التقدم بتنفيذ التزاماته مقابل تقدم مماثل بالعملية السياسية التي تحفظ لبعض أتباعه مما يسمى «المعارضة السورية» موقعاً مميزاً في مستقبل سورية السياسي؟ بعبارة أخرى، هل سيُسمح له بابتزاز النظام في سورية وتأجيل استعادة الدولة لسيادتها على الأراضي السورية كافة؟
هي بعض أسئلة وغيرها كثير تنتظر الأسابيع المقبلة كي نتلمس إجابات عملية عليها، وخصوصاً أن «الشريك» التركي المفترض غير موثوق ولن يكون.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!