ثقافة وفن

معرض «كنوز سورية المستردة» .. وزير الثقافة: إن تهدّمت الأبنية يمكن تعويضها بعكس الأثر الذي معه نضيّع هويتنا

| سوسن صيداوي

أبو جهل، خرّب، دمّر، باع، قتل، شرّد. ولم يكتف بل نبش في باطن الأرض كي يتاجر بأغنى الكنوز وأكثرها أهمية، سعى كي يضيّعها لأنه بذلك يضيّع هويتنا السورية الأصيلة.
نعم طوال سنوات الأزمة هذه مساعي أبو جهل، طمس الهوية، وشوّه الحقيقة بأن الحضارة السورية هي الأرقى. في هذه الفترة وبسرور كبير مع أمل بأن القادم للوطن من واجبنا أن يكون أفضل، تسعى الوزارات من خلال الأعمال والخطط المشتركة، لتسليط الضوء على كل ما هو جميل في بلدنا. وبمناسبة استعادة الكثير من نفائس الحضارة السورية والواغلة في التاريخ، أقيم برعاية المهندس عماد خميس رئيس مجلس الوزراء بالتعاون مع وزارة الثقافة- المديرية العامة للآثار والمتاحف معرض آثار «كنوز سورية المستردة» في دار الأسد للثقافة والفنون بدمشق. جاء المعرض تكريماً لجهود مبذولة من الجهات المختصة: المديرية العامة للآثار والمتاحف، المجتمع المحلي، الجهات الأمنية المختصة، وعن طريق التعاون الدولي والمنظمات الراعية للتراث. محتوياً على ما يقارب خمسمئة قطعة تم استردادها وترميم ما يحتاج منها لذلك، من بينها مطرة نحاسية تعود إلى الفترة المملوكية، وتمثال من البازلت يمثل ملكاً أو حاكماً محلياً يعود إلى العصر الروماني، وأيضاً مجسم بيت دائري الشكل من الطين المجفف بالشمس يعود إلى عصر ما قبل سرجون الأكادي (النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد)، إضافة إلى الكثير. وللحديث أكثر عن المعرض إليكم بعض التفاصيل التي صرّح بها جانب من الحضور متمثلاً بوزير الثقافة ووزير السياحة وغيرهما من أصحاب الاختصاص.

في الأثر هوية
حضر الافتتاح وزير الثقافة محمد الأحمد الذي أشار الى أن المعرض يأتي تأكيداً لحقيقة لا يمكن تجاهلها مهما مرّ الزمن وهي أن الحضارة السورية بعراقتها وشواهدها هي التي كانت مستهدفة في الأزمة، ويتابع: «كانت تردنا دائماً أخبار بأن الإرهابيين الذين كانوا يسيطرون على بعض المناطق الأثرية، كانوا يجلبون كل مرتزقة الأرض للتنقيب غير الشرعي على هذه الآثار واللُقى التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ وحتى العصور الحديثة مروراً بالعصور التاريخية والكلاسيكية والرومانية والإسلامية. ومن يشاهد المعرض الذي يقام للمرة الأولى في سورية يدرك حجم ما تعرضنا له، وأنا كنت أقول ولا أزال أقول وحتى في المستقبل سأقولها: إنّ الحرب على سورية كانت حرباً تستهدف قطع الصلة بين سورية والحضارة التي تمتد لآلاف السنين، ومن يشاهد هذه الآثار واللُقى والقطع والعملة النقدية النادرة يعرف تماماً حجم الغنى الموجود في سورية.
كما شدد الأحمد في حديثه على أن معرض (كنوز سورية المستردة) يقام على وقع انتصارات الجيش العربي السوري البطل الذي حمى هذه القطع من أن تهرّب وتباع في الأسواق المجاورة. وأضاف: لو خرجت هذه القطع من المتاحف، كان بالإمكان أن نسيطر على عملية تتبع سيرها، ولكن القطع والآثار هي نتيجة أعمال تنقيب غير شرعي، ولا نعرف ما أخرجوا وما نقبوا، أو كيف استحوذوا عليها.
ومن خلال المعرض نشاهد قيمة هذه القطع التي عادت إلى مخازنها الطبيعية، وفي أرضها وبلدها، بفضل الجيش العربي السوري وحكمة السيد الرئيس بشار الأسد.
كما أشار وزير الثقافة إلى أنه بين فترة وأخرى سنقيم معارض كي يتمكن السوريون من التعرّف على هذه الحضارة التي لم يسبق عرضها من قبل. وأيضاً وفي هذه المناسبة أحب أن أعلن بأننا وفي نهاية هذا الشهر-في اليومين الأخيرين- سيقام مؤتمر دولي بمناسبة افتتاح المتحف الوطني، الذي سيعود لممارسة هذا العمل الثقافي والحضاري والوطني بعد تحقق الأمان بسورية.
ونوه بأن سورية من خلال المعرض وجهت إحدى الرسائل المهمة إلى العالم بأن سورية تحافظ على ثقافتها وتاريخها باستعادة الآثار، فبرأيي ليس هناك أهم من التاريخ والآثار، فإن تهدّمت الأبنية يمكن تعويضها، بعكس فقدان الأثر الذي بفقدانه نفقد هويتنا، وبالطبع وفّقنا في ملاحقة ما تم تهريبه. إذا متابعة الحراك الثقافي طوال السنوات الثماني السابقة في أشد الظروف وأكثرها ظلمة، من خلال الأنشطة المتنوعة، كل هذا يشي بأن العمل الثقافي له الأهمية القصوى في هذه المرحلة، وعبره نحن نجيب على قتلة البشر وآكلي الأكباد، بثقافة هذا البلد التي تمتد لآلاف السنوات من الحضارة.
وختم الوزير بأنه تمت حماية أكثر من تسعة آلاف قطعة أثرية وما تمّ عرضه لا يتجاوز خمسمئة قطعة، موضحاً بأن استرداد الآثار السورية المهرّبة هو عمل يحتاج إلى الكثير من العمل والصبر وبالتعاون مع الدول المجاورة والإنتربول في مساع جماعية لاستعادتها.

سورية غنية سياحياً وثقافياً
وبدوره وزير السياحة بشر يازجي تحدث قائلاً: إن سورية من أغنى البلدان بمقومات السياحة الثقافية، سواء في مجال المتاحف التي تمّ تأسيسها كي تكون منتشرة في كل أراضي القطر، أم في مجال الأماكن الأثرية، ومثل هذه المعارض ستشكل نقطة جذب إضافية للاطلاع على واقع مستردات كانت موجودة ولكن تمّ نهبها من تحت الأرض من العصابات الإرهابية من أجل تمويل الإرهاب وعصاباته. وأضيف بأن الجهود ما زالت مستمرة من كل الجهات لإعادة الآثار السورية وبالطبع نعوّل على بطولات الجيش العربي السوري وغيرة كل مواطن شريف على بلده سورية.
وفي سؤال «الـوطن» عن أهمية التشبيك وضرورة العمل مع الوزارات الأخرى في خطط البناء والنهوض من الأزمة أجاب الوزير يازجي: «إن التشبيك والعمل مع الوزارات الأخرى موضوع مهم جداً وخاصة عندما نتحدث عن السياحة الثقافية فهي ناتج برنامج عمل مشترك بين وزارة السياحة ووزارة الثقافة، وبالطبع هذه اللقى تشكل نقطة جذب إضافية لكل زوار سورية للاطلاع ليس فقط على القطع المكتشفة والموجودة بالمتاحف، بل أيضاً للتأثير في الرأي العام العالمي من خلال الحقيقة التي ضحى من أجلها الجيش العربي السوري من جهة وفي تسليط الضوء على همجية المجموعات المسلحة في نبش هذه الآثار وتخريبها». خاتماً حديثه بأن نشاطات الوزارة ستكون فاعلة أكثر وممتدة مع عودة الأمن قائلاً: «إن سورية من أغنى البلدان في العالم بمقومات السياحة الثقافية سواء بامتلاكها للقلاع وفيها أكثر من عشرة آلاف موقع آثري، ونحن في وزارة السياحة سنستفيد من كل ما تعرضت له سورية بعودة القطاع السياحي وخاصة السياحة الثقافية، وأن فضول العالم كلّه اليوم متجه نحو سورية كي يزورها ونحن سنعزز ذلك من خلال مجموعة من الفعاليات، التي بدأت الوزارة بالاستعداد لها بما يتناسب مع مرحلة عودة الأمن والأمان إلى معظم المناطق في سورية».

التعاون مع الجميع
على حين أوضح المدير العام للآثار والمتاحف الدكتور محمود حمود بأن القطع الأثرية المعروضة هي من الداخل، حيث تمت السيطرة واستردادها قبل مساعي الجماعات الإرهابية لإخراجها من الوطن، متابعاً: «إن هناك نحو تسعة آلاف قطعة أثرية، من بينها نحو ٥٠٠ قطعة جاءت من مناطق سورية مختلفة، وخاصة من منطقة الفرات الأوسط بين دير الزور والبوكمال، حيث تمّ العثور على بعضها أثناء تمشيط الجيش العربي السوري لبعض القرى والمناطق الأثرية، أو تمت استعادتها من القوى الأمنية ومصادرتها أثناء محاولة تهريبها من على الطرقات. وهناك ما لا يقل عن ٢٥٠ قطعة أثرية زجاجية وفخارية في منطقة وادي بردى استردت بالتعاون مع المجتمع المحلي»، خاتماً حديثه بأن هذه التنقيبات غير الشرعية في المواقع الأثرية أدت إلى تخريب كبير ودمار وخاصة بأن من قام بعمليات التنقيب هم عصابات تجهل القيمة الحقيقية لهذه الآثار النفيسة وكانوا يبيعونها بأسعار بخسة بعكس قيمتها.

وبين حمود أن القطع المعروضة تمثل صفحات مجيدة ومهمة، لافتاً إلى أن القطع في معظمها تم استردادها وهي بحالة جيدة ولم تحتج في بعضها إلا لترميم بسيط، مشيراً إلى أنه سيتم عرضها بنهاية الشهر الحالي في المتحف الوطني بدمشق، حيث تكون متاحة لجميع زواره.

المسؤولية على الجميع
بينما أوضح نائب مدير شؤون المتاحف في مديرية الآثار المهندس فراس دادوخ بأن جهود مديرة الآثار أثمرت في استعادة الكثير من القطع، سواء عن طريق العمليات الفيزيائية -أي عمليات الترميم- والتي تمت في المديرية أو خارجها، أم عن طريق إجراءات قانونية تمت بشراكات المديرية مع الخارج أو مع منظمات حقوقية دولية لاستعادة هذه القطع. مشيراً إلى أن القطع الموجودة منها ما رُمم محلياً، ومنها رُمم عن طريق منظمات دولية خاصة، وأيضاً هناك قطع مستجلبة عن طريق إجراءات مع جهات حقوقية ومحلية، وقطع قدمتها الجهات المختصة أثناء مصادرتها لها.
مشددا على أن المعرض هو رسالة شكر من المديرية العامة للآثار لكل الجهود المبذولة من مختلف الأطراف، فالعمل لإعادة التراث الثقافي السوري ليس مسؤولية مديرية اﻵثار فقط، بل هو مسؤولية جمعية تشارك فيها كل مؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock