أردوغان وتركيا.. ديكتاتورية الاقتصاد والسياسة

| د . قحطان السيوفي

رجب طيب أردوغان، مؤسس حزب العدالة والتنمية التركي، أصبح رئيساً للوزراء عام 2003، وتولى منصب رئيس الجمهورية منذ عام 2014.
في تركيا، سطوة الإرادة على الواقع، بطلها أردوغان، رجل واحد قرر أن يكون سيد تركيا الأول، التخلص من حلفاء الأمس يعتبر أولى خطوات السياسي المسكون بهوس الزعامة، فالتحولات النفعية سيطرت على كامل تصرفاته، حتى إن «شيوخه» الذين حملته أكفهم، لمّا اشتد ساعده طاردهم وأودعهم ومريديهم السجن!
اندفع الاستثمار المباشر الأجنبي في تركيا عام 2007 لكن دعم أردوغان للتنظيمات الإرهابية في سورية منذ 2011، وتباطؤ الاستثمار المباشر الأجنبي مع بدء الهجمات الإرهابية عام 2015، والمحاولة الانقلابية في تموز 2016 كل ذلك أوقع تركيا في الاضطراب، وتعمقت المشكلات بفعل القيادة التسلطية المتزايدة من قبل أردوغان وآرائه الارتجالية حول أسعار الفائدة، التي وصفها بأنها «أصل جميع الشرور» كونها من الربا، ما أحدث خللاً كبيراً في السياسة النقدية، التضخم يلغي الآن نسبة 16 في المئة، وأخفقت خطوة توحيد أسعار الفائدة في إيقاف التراجع في قيمة الليرة.
الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في حزيران الماضي أثارت خوف المستثمرين خاصة مع شجب أردوغان، الارتفاع في أسعار الفائدة، بعد إعادة انتخابه في حزيران 2018، قال تشارلز روبرتسون، كبير خبراء الاقتصاد في شركة رينيسانسكابيتال: «وصلت الليرة التركية إلى هذا المستوى الرخيص لأن الناس جميعاً فقدوا الثقة».
أدى تراجع الليرة إلى عواقب قاسية، تبين أن من الصعب على الشركات التركية ذات الديون المقومة بالدولار واليورو خدمة ديونها، وفقاً لتحليل من قبل بنك إتش إس بي سي، تتحمل المصارف والشركات في البلاد نحو 70 مليار دولار من الديون واجبة السداد من الآن حتى أيار من 2019.
حذّرت وكالة موديز للتصنيف الائتماني، أنه من المرجح أن تكون الشركات التي تعاني الضغوط المالية أقل قدرة على الدفع، ما يجعل المصارف مثقلة بالديون المعدومة، مع انخفاض مؤشر مصارف إسطنبول في البورصة 33 في المئة هذا العام، مقارنة بانخفاض 18 في المئة في سوق الأسهم التركية.
المستثمرون الأجانب سحبوا 771 مليون دولار من الشركات المدرجة في البورصة خلال الربع الأول من 2018 وفقاً لأحدث بيانات وكالة التأمين على ودائع الأوراق المالية المركزية التركية.
بالمقابل أثرت العوامل الخارجية على الليرة التركية المكشوفة منذ وقت طويل أمام حاجة تركيا إلى تمويل عجز في الحساب الجاري يصل إلى 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، والخلل في العلاقات مع الولايات المتحدة حول اعتقال قس أميركي بتهمة التجسس زاد من الضغوط.
انخفض مؤشر بورصة إسطنبول 100، مؤشر الأسهم المعياري في تركيا، 3 في المئة في الثاني من آب 2018، في اليوم الذي تلا إعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات مالية على وزيري العدل والداخلية التركيين فيما يتعلق بالقضية.
أدى ارتفاع سعر النفط، لنتائج سلبية على الاقتصاد التركي، ربما تختار تركيا فرض ضوابط على رأس المال أو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وسيظهر المشهد المزيد من الفوضى.
بالمقابل الارتفاع في أسعار الواردات، بفضل تعثر الليرة، إلى جانب الارتفاع الكبير في تكاليف الاقتراض مع خروج المستثمرين الأجانب، سيضعف اقتصاد تركيا، وسيؤدي للمزيد من انهيار الليرة التركية.
شركة كابيتالإيكونومكس الاستشارية، لديها حسابات مبدئية تشير إلى «فصل أو فصلين من النمو السلبي لهذا العام».
التداعيات قد تكون واسعة الانتشار، وستؤدي إلى إثارة سخط عام، استفادت آلاف الشركات، بما في ذلك «سور يابي»، من قروض بالعملات الأجنبية لتمويل استثماراتها، لكنها الآن تتصارع مع التداعيات الناجمة عن انخفاض قيمة الليرة التركية التي فقدت 40 في المئة من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام، ما جعل شراء السلع والخدمات أو تسديد الديون، التي يتم حسابها باليورو والدولار، أكثر تكلفة بالنسبة للشركات.
أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، حظراً على استخدام العملة الأجنبية في مجموعة من العقود، المحللون يحذرون من أن هذا لن يحل مشكلة جبل من ديون الشركات المقومة بالعملة الأجنبية، التي بلغت في أيار 2018 مبلغ 331 مليار دولار.
حذّر هولوسي بيلجو، رئيس مجلس إدارة مراكز التسوق في تركيا، من أن المستثمرين في مراكز التسوق عليهم 15 مليار دولار من القروض بالعملات الأجنبية، منح أردوغان نفسه سلطة خولته تعيين محافظ البنك المركزي في تركيا وعيّن صهره بيرات البيرق ضعيف الخبرة الاقتصادية، وزيراً للخزانة والمالية، وكانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير حيث انخفضت قيمة الليرة التركية 17 في المئة عما كانت عليه في بداية العام بأكبر هبوط في يوم واحد.
يرى محللون أن تعيين البيرق علامة مقلقة على أن الرئيس التركي كان يعني ما قاله عندما أبلغ المستثمرين في لندن في أيار2018 أنه سيسيطر بشكل أكبر على السياستين، الاقتصادية والنقدية وينظر منتقدوه إلى مجلس وزرائه الجديد الذي يضم طبيب أسرة أردوغان وكذلك صهره على أنه علامة على أن أردوغان يدير البلد بشكل متزايد وكأنه شركة عائلية كما ذكرت صحيفة الفاينانشال تايمز.
الحاكم بأمره رجب «الأول» أردوغان تمكن من إقناع «البعض» بأنه خليفة المسلمين، على رغم علاقاته المتميزة بإسرائيل التي يخوض ضدها أعتى الحملات المعادية اللسانية، بينما على الأرض علاقات من الطراز الرفيع في المستويات كافة، الرئيس التركي أردوغان السلطان العثماني الجديد الداعم والراعي للإرهاب في سورية خاصة؛ والصديق الفعلي لإسرائيل، يفتعل خصومات وهمية مع أميركا وأوروبا ويغوص حتى أذنيه في مشكلات داخلية تبدأ من الاقتصاد المنهار، ولا تنتهي بالخصوم السياسيين الذين طالتهم سطوته، بدأ يخوض حرب نفوذ خفية ضد السعودية والإمارات ومصر.
أردوغان طامع بحقوق الآخرين وجيرانه العرب، ومتورط في مستـــنقع الانتهازية، وقد اختار طريقاً صعبة جعلته يستعدي الآخرين ويحارب طواحين الهواء، ويدير تركيا كشركة عائلية في تحدٍ، للتاريخ والجغرافيا.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!