قضايا وآراء

سورية في ظل متغيرات شرق أوسطية

| مازن جبور

الخروج من الأزمة السورية، لن يكون بالأمر السهل إذا ما قيس بالدخول فيها، إذ إن عملية الخروج هذه تحتاج، ممن يريد الخروج، إلى إجراء سلسلة تغييرات على مستوى الشرق الأوسط برمته، تبدأ أولاً من تغيير مركز الصراع من سورية إلى دولة أخرى، على صانع القرار أن يراعى فيها أمران، الأول أن الدولة الجديدة يجب أن تحمل في طياتها مبررات تحويل مركز الصراع إليها، وفي الوقت ذاته أن تكون تكتيكات الانسحاب منها مستقبلا أكثر سهولة وأقل تكلفة.
تدرك واشنطن وأداتها في المنطقة، إسرائيل، أن سياسة روسيا الشرق أوسطية ستصبح أكثر نشاطاً ومحورية بعد سلسلة الخطوات الإستراتيجية التي اتخذتها موسكو في سورية وآخرها إدخال منظومة «إس 300»، بعد أيام معدودة على إعلان اتفاق سوتشي حول إدلب بما يحمله من رسالة عالمية أن واشنطن باتت طرفاً ثانوياً في الملف السوري وليست فاعلاً رئيسياً بكل تفرعاته.
كما تدرك كل من أميركا وإسرائيل أن إدخال «إس 300» إلى سورية ليست عملية انتقامية أو ردة فعل على إسقاط طائرة «إيل 20» وإنما من ضمن خطة إستراتيجية روسية لضمان أمن روسيا في سورية وضمان أمن سورية في الوقت ذاته، وحادثة إسقاط «إيل 20» كان لها دور في تسريع الخطوة الروسية.
بالإضافة إلى ذلك هناك عملية تسخين وتوتير أميركي متعمد للأوضاع في الخليج العربي، من خلال إعلان واشنطن عزمها على سحب منظومتي صواريخ باتريوت من الكويت وواحدة من كل من الأردن والبحرين وإعادتها جميعاً إلى الولايات المتحدة بذريعة إدخال بعض التحسينات عليها، إلا أن وجهتها بعد عملية السحب وإجراء التحسينات لم تحدد بعد، مع التذكير بأن عملية السحب تلك تبعها استفزاز أميركي للسعودية من خلال طلب مباشر لثمن الحماية الأميركية للنظام السعودي.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدعوة الأميركية المتكررة المتجددة والملحة لكل من بريطانيا فرنسا وألمانيا على وجه التحديد للمساهمة بشكل أكبر في العمليات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي، وردت برلين على ذلك بتلميحها إلى إمكانية إقامة قواعد عسكرية إستراتيجية في الشرق الأوسط، هذا من جانب، ومن جانب آخر التواجد الفرنسي والبريطاني المتزايد والعلني في شرق سورية مؤخرا، كلها مدلولات على متغيرات تدفع بها أميركا إلى الشرق الأوسط لملء فراغ قد تحدثه واشنطن قريباً.
يتناغم كل ما سبق مع تحولين رئيسيين في الشرق الأوسط، الأول: يتمثل بالانتصارات الكبرى التي تحققها سورية وحلفاؤها على الإرهاب، والثاني: مع انسحاب أميركا من الاتفاق النووي الإيراني، وهذا التحول الأخير يصب في صلب المسعى الأميركي لصناعة مركز جديد للصراع في الشرق الأوسط يمكنها من الانسحاب بهدوء من الملف السوري تحت غطاء الادعاء بإنجاز المهمة في مكافحة الإرهاب والالتفات إلى ما هو أهم وأعظم، الخطر الإيراني، عبر تعويم الملف النووي الإيراني من جديد.
إن الشرق الأوسط يدخل فعلاً، مرحلة متغيّرات إستراتيجية على وقع تطورات الأزمة السورية، لابد أنها ستكون أولى نتائجها على الأزمة ذاتها، ومن ثم على المنطقة برمتها، وقد بدأت مؤشراتها تلوح في الأفق، بدءاً من اللقاء الذي جرى بين نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم ووزير الخارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة، في أروقة الأمم المتحدة، وصولاً إلى زيارة وفد إعلامي كويتي يتقدمه أحد أبناء العائلة الحاكمة إلى سورية ولقائه الرئيس بشار الأسد، وما تبع اللقاء من إشادات من الإعلاميين الكويتيين بهذه الزيارة، وقبلها التكويع الذي أجرته السعودية تجاه سورية وإطلاقها مواقف ايجابية رحبت بها دمشق.
لن تقف نتائج التغيرات الشرق أوسطية الجديدة هنا بل لابد أنها ستتبلور في المستقبل القريب أكثر وترخي بظلالها على الأزمة السورية، ولعل أولى النتائج الجديدة القادمة ستتمثل بخطوات عربية سياسية واقتصادية جديدة، أولها مبادرات عربية بخصوص إعادة الإعمار، وثانيها فتح ملف عودة سورية إلى جامعة الدول العربية، والأمران سيكونان جاهزين للطرح خلال الأشهر القليلة المتبقية من العام الجاري.
النتائج السابقة على المستوى العربي، أما على المستوى الدولي فلعل النتيجة الأهم التي يرغب السوريون بتحققها تتمثل بالانسحاب الأميركي من سورية، وهو أمر قابل للتحقق على المدى القصير وبالتدريج.
أخيراً لابد أن المتغيرات السابقة التي تشهدها الشرق الأوسط تدل على أن المنطقة مقبلة على تغيرات جذرية في التحالفات الإقليمية والدولية لفواعلها الرئيسية.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock