القلاع والحصون في الساحل السوري حماية من العدوان الخارجي وتاريخ شاهد .. تم تسجيل قلعة المهالبة موقعاً أثرياً عام 1992 لدى اليونيسكو

| المهندس علي المبيض

سقى اللـه عند اللاذقية شاطئاً…
مراحاً لأحلامي ومغنىً وملعبا
وأقسم إني ما سألت بحبها…
جزاءً ولا أغليت جاهاً ومنصبا

الشاعر بدوي الجبل

بدايةً لابد لنا من أن نؤكد أن المقالات التي نقوم بنشرها أسبوعياً إنما نهدف من خلالها إلى إبراز أهمية التاريخ السوري كأحد أهم روافع الفن والفكر والثقافة والاقتصاد والتنمية المجتمعية…، إضافة لتأكيد وحدة السكان والجغرافيا والحضارة والتراث الثقافي السوري منذ فجر التاريخ وأن السوريين هم أبناء ثقافة واحدة متعددة ذات طيف واسع، وتاريخهم مشترك وإن كان متنوعاً، وهدفنا من ذلك أن نؤكد أهمية الدور الذي من الممكن أن تلعبه الثقافة السورية بكامل ألوانها كأرضية مشتركة للسوريين والتي يمكن أن تسهم في الدفع باتجاه تقريب وجهات النظر بينهم وتوحيد الآمال والآلام، وهي معقد الآمال والثقة في هزيمة مشاريع التفتيت والتقسيم التي تستهدف شخصية الأمة وهويتها وتاريخها قبل أن تستهدف حدودها وجغرافيتها.
وإننا إذا أدركنا ذلك واقتنعنا به وعملنا جميعاً على نشره والتبشير به فإنه سيصل بنا حتماً للوقوف على عظمة سورية وأصالة الإنسان السوري ومدى تمسكه بأرضه واستبساله في الدفاع عنها.
وكما يعلم القراء الأعزاء فقد شهدت كامل الأراضي السورية حضارات عديدةً وذلك على مدى تاريخها المديد وعمرها الطويل، حضارات ولدت عليها أو مرت واستقرت فيها حضارات امتدت على كل شبر من الجغرافيا السورية وتركت تلك الحضارات آثاراً عظيمةً لم تزل باقيةً حتى اليوم وبصمات مازالت واضحة على ثراها الطاهر لم يمحها الزمن، حيث تعد سورية من الدول القليلة التي تتميز بغنى موروثها الثقافي فتحت كل حجر في سورية هناك أثر، وتحت كل شبر من أرض بلادي كنز ويدلل على ذلك الغنى الكبير للمواقع التاريخية التي تجعل من سورية بحق مركز إشعاع الحضارة الرئيسي في هذا الكون ومهد الحضارة الأول في العالم، وكل حضارة على سطح الأرض يجب أن تدين بالولاء للحضارة السورية الأولى التي ساهمت بشكل كبير في منظومة الحضارة الإنسانية العالمية، ويؤكد الباحثون أن سورية اليوم وبما تمتلكه من تراث ثقافي وآثار تعتبر خلاصة لتاريخ العالم. ‏
نسعى من خلال هذه المقالات إلى تسليط إضاءات ولو بسيطة على بعض النقاط المشرقة من تاريخنا الحافل مؤكدين بذلك أن ثقافتنا هي هوية ذات جذور عميقة في التاريخ، وهي ثمرة ما أنجزناه عبر التاريخ وحتى وقتنا الحالي.
وضمن هذا السياق فقد عرضنا سابقاً لمحةً موجزةً عن القلاع والحصون كأحد المعالم التاريخية العديدة في سورية وشاهداً حياً على صمود السوريين وشموخهم واستبسالهم في الدفاع عن أوطانهم وابتكارهم لأساليب شتى لتحقيق ذلك في وجه كل الطامعين بنهب خيرات وطننا الغالي، حيث تحدثنا في المقال السابق عن قلعة صلاح الدين في مدينة اللاذقية، وما دمنا في هذه المحافظة العريقة نجد أنه من المفيد أن نقدم في مقالتنا اليوم مثالاً آخر عن القلاع في اللاذقية وهي قلعة المهالبة.
تقع قلعة المهالبة على بعد نحو أربعين كيلو متراً إلى الشرق من مدينة اللاذقية على ارتفاع 750 متراً عن سطح البحر بجوار قرية المهالبة، في منطقة القرداحة من الجهة الشمالية مقابل جبل الأربعين، ويمكن الوصول إلى القلعة عبر طريق اللاذقية طرطوس عن طريق مفرق الجوبة حيث يمر الزائر بطريقه إليها بعدد من القرى على جانبي الطريق ذات طبيعة خلابة.
قلعة المهالبة واحدة من سلسلة القلاع المنتشرة في الساحل السوري الذي تعرض كغيره من الأراضي السورية للعديد من الغزوات، وكان ساحةً للعديد من الحروب، حيث كان للقلعة دور مهم ورئيس بين تلك القلاع في الدفاع عن المنطقة إضافة إلى تشابهها بين عناصرها ومكوناتها مع عناصر ومكونات تلك القلاع، وهذا يؤكد ما دأبنا على ذكره سابقاً من أن السوريين هم أبناء ثقافة واحدة وتاريخ مشترك وإن اختلفت مشاربه.
ويعد موقع قلعة المهالبة من أجمل مواقع القلاع في سورية، حيث بنيت القلعة على جبل شاهق ويحيط بها سور ضخم، فالناظر لتلك القلعة من جانب البحر يرى الموقع الذي يكشف معظم الأراضي المطلة حتى حدود طرطوس، وصفت قلعة المهالبة بأنها تشكل حصناً منيعاً على سواحل الشام حسب ما ورد في معجم البلدان، أطلق عليها الجغرافيون والمؤرخون العرب اسم بلاطنيس، ولم يحدد الباحثون في أي فترة بالضبط، أطلق عليها اسمها الحالي المهالبة، أما تاريخ بناء القلعة فيرجع إلى أوائل القرن الحادي عشر الميلادي ويعتقد أنها شيدت من أبناء العشائر الأثرياء والوجهاء من المنطقة نفسها.
تتوضع قلعة المهالبة فوق كتلة صخرية ضخمة وتتكون من سور ضخم مبني من الحجر وتشكل بعض أجزائه الصخرة الأم التي بنيت القلعة عليها، كما تضم مستودعات وخزانات وأقبية ودهاليز وساحات، وتتوزع حولها الأبراج التي يبلغ عددها اثني عشر برجاً وتتركز في الجهة الشرقية الجنوبية من القلعة، هذه الأبراج مبنية على شكل أنصاف دوائر، تضم فتحات طولانية تشكل نقاطاً للمراقبة ومواقع لرمي السهام والنبال وأكثر هذه الأبراج أهمية هو برج المراقبة للأراضي الشاسعة وللمنطقة البحرية المطلة عليها ونظراً لأهميتها الكبيرة تاريخياً وأثرياً فقد تم تسجيلها موقعاً أثرياً عام 1992م لدى اليونسكو.
تمتلك القلعة عدة مقومات مهمة، فهي تقع ضمن طبيعة جميلة وخلابة ونسيج معماري أخاذ يضفي على الموقع البهاء والروعة ويعطي فكرة واضحة عن عظمة سورية وتفاني السوريين في ابتكار أساليب الصمود والتمسك بأرضهم والدفاع عنها قبل ما يقرب من ألف عام.
لم يبق من القلعة إلا الطابق الأرضي الذي يحوي المستودعات والسراديب والدهاليز ومعظم ما بقي فيها من آثار له طابع عربي يعود إلى العصر الأيوبي.
بنيت القلعة وفق ضوابط هندسية معمارية متناهية الدقة والجمال، على طريقة الأقباء والأقواس التي تحمل السقوف، أما الأبواب والمداخل فهي صممت على شكل (حدوة الفرس) وتتوسط الأسطح فتحات مربعة مصممة لإيصال الضوء والمؤن لداخل القلعة كما تضم القلعة ساحات واسعة كانت تستخدم لممارسة التدريبات العسكرية والأنشطة الرياضية والدينية والاجتماعية المختلفة.
ومنذ عدة سنوات شهدت القلعة بعض أعمال ترميم موسمية نفذتها المديرية العامة للآثار والمتاحف بهدف صيانة نسيجها المعماري المميز وإظهار جماله للزوار والسياح، وإعادة إحياء ودمج الموقع في المحيط الاجتماعي وتفعيل دور القلعة الثقافي بغية الاستفادة منها في تنشيط السياحة الثقافية نظراً لما تحظى به القلعة من جمال الموقع والإطلالة الرائعة على الحقول والبساتين وتعطي أيضاً أفكاراً مهمة عن عظمة العمارة السورية قبل ألف سنة خلت.
وطالما تحدثنا عن قلعة المهالبة في اللاذقية فمن المفيد ضمن هذا السياق أن نعطي لمحةً موجزةً عن قلعة أخرى في المدينة لم تلق من تسليط الضوء والترويج الإعلامي ما يتناسب مع أهميتها، إضافة إلى أن العديد من السوريين يجهلها وهي قلعة بني قحطان، إحدى القلاع التي تنتشر في سلسلة الجبال الساحلية، تبعد القلعة نحو أربعين كيلو متراً عن مدينة اللاذقية من الجهة الغربية كما تبعد مسافة 25 كيلو متراً شرق مدينة جبلة، وهي حالياً مدمرة بشكل كبير ولم يعد موجوداً فيها الكثير من منشآتها ومبانيها، وتعود فترة بناء منشآتها المتبقية إلى القرن الحادي عشر الميلادي، حيث تم بناؤها من البيزنطيين ثم احتلها الصليبيون في القرن الثاني عشر الميلادي وقاموا بتدعيمها وزيادة تحصينها ثم استولى عليها صلاح الدين الأيوبي خلال حروبه مع الصليبيين، ونؤكد ما ذكرناه في المقالات السابقة وهو أننا عندما نتحدث عن الحروب الصليبية فنحن نقصد بذلك تلك الحروب الاستعمارية التي شنها الغرب على بلادنا والتي كانت تهدف لنهب ثروات وخيرات وطننا تحت قناع وغطاء كاذب من الدين.
تم بناء قلعة بني قحطان بشكل تتطابق أسوارها مع شكل التل الصخري الذي بنيت فوقه، وتحيط بالقلعة بقايا أسوار ضخمة مبنية من ألواح حجرية بازلتية كبيرة منحوتة بشكل دقيق، ويبلغ وزن الحجر الواحد ما يزيد على طن ونصف الطن، وقد تم تحصين القلعة من خلال تدعيم السور بأبراج دفاعية وأقواس وأماكن لرماية السهام ومراصد تحيط بها، وتحتوي أيضاً على حمّام ومدفن، ويقع داخل القلعة خزان ماء والذي نتعرف من خلال تصميمه على إبداع السوريين والخبرات الفنية الهائلة المتراكمة لديهم وفطنة قاطنيها في تلك الفترة، حيث كانت القلعة تتزود من المياه من نبع جفونة الذي يتدفق من سفح الجبل الجنوبي للقلعة باستخدام شجر الدفلة، ويتم ذلك بعد أن يتم نزع لب الشجرة والإبقاء على قشرها المرن الذي لا يتسرب منه الماء، ومن ثم يتم وصل الأجزاء بعضها ببعض حتى تصل إلى خزان القلعة.
نقطة مهمة جداً يجب الإشارة إليها وهي أن وجود القلاع والحصون في سورية يؤكد الجانب الدفاعي في تكوين السوريين وطبيعتهم المسالمة المقترنة بعزة النفس والتشبث بالأرض والاستبسال في الدفاع عنها وبعدهم عن الحروب الهجومية والعدوانية والاستيلاء على أراضي الغير، وإن الحروب التي كان يخوضها السوريون منذ القدم إنما تندرج ضمن الحروب الدفاعية وليست العدائية.

معاون وزير الثقافة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!