ثقافة وفن

عمريت.. يقف التاريخ مذهولاً أمام سحرها وغموضها … الفينيقيون تركوا ثقافة وعبادة وعلماً فكانوا مثالاً للأمة التي تملك مقومات الحضارة

| المهندس علي المبيض

سورية بوابة التاريخ ومهد الحضارات الإنسانية، صنفت كأكبر دولة صغيرة في العالم لغناها بالحضارات والممالك القديمة التي قامت على أرضها ويعود بعضها إلى ما قبل الميلاد، وتشهد الآثار المكتشفة في سورية على عراقة حضارة الإنسان الذي سكن هذه المنطقة ومدى مساهمته في إغناء الحضارة الإنسانية، فما قدمته الحضارات التي تعاقبت على الأرض السورية الطاهرة كان له الأثر الأكبر والأهم في تقدم البشرية ورفدها بأفكار وعلوم حديثة شكلت اللبنة الأساسية في عملية التقدم الحضاري والبناء الفكري الإنساني.

ونستكمل في مقالنا لهذا اليوم حديثنا الذي بدأناه منذ ثمانية مقالات وتناولنا فيه القلاع والحصون كأحد المعالم التاريخية العديدة في سورية وكانت شاهداً حياً على صمود السوريين وشموخهم واستبسالهم في الدفاع عن أوطانهم وابتكارهم أساليب متنوعة للوقوف في وجه الطامعين بنهب خيرات وطننا الغالي وعلى مر العصور، وضمن هذا السياق فقد تحدثنا في المقال السابق عن جزيرة أرواد ومعالمها التاريخية، تلك الجزيرة القديمة التي تتمتع بجمال خاص ساحر وتتألق بجمالها الطبيعي كلؤلؤة في البحر، هذه الجزيرة العريقة تقدم دليلاً آخر على أن السوريين كان لهم دور فعال في تشكيل الحضارة الإنسانية العالمية، إذ كانت الجزيرة وعلى الرغم من صغر مساحتها إلا أنها كانت قديماً مملكة فينيقية مهمة تتبع لها طرطوس وعمريت وتحكم جزءاً كبيراً من الساحل السوري وكانت تمتلك أسطولاً بحرياً ضخماً يجوب البحر على الشاطئ المقابل لها والذي مكن أبناء أرواد أن يفرضوا هيبتهم وسلطانهم على كامل المنطقة ويستخدموه في حروبهم على الإغريق، تمثل الجزيرة عبق الماضي الأصيل وروح الحضارة المعمارية العريقة وتعانق البحر الأبيض المتوسط بمينائها الصغير ومنازلها الفريدة المتراكبة على بعضها بعلاقة حميمية خاصة تشكل بحد ذاتها كنزاً تاريخياً مهمّاً، تغسل الأمواج حجارتها الضخمة وتزين حوض مرفئها القوارب ذات الألوان الزاهية والمطاعم البسيطة والمقاهي الشعبية الجميلة المطلة على البحر، ويبدو أن هذه الجزيرة التي تمدُّ بمجساتها عميقاً في الأرض تأخذ كامل القوة والإرادة على البقاء الفينيقي المشهود له بالخلود، واستعادة الحياة بعد الموت.
ومن الجدير بالذكر أن القديس بولس مر على جزيرة أرواد وهو في طريقه إلى روما حاملاً معه تعاليم الدين المسيحي فأعجب بالجزيرة وبمنازلها وبشر سكانها بالدين المسيحي.
وبمناسبة الحديث عن جزيرة أرواد نبين للسادة القراء أن جزيرة أرواد أو أرادوس ليست الوحيدة بهذه التسمية إذ توجد عدة مناطق أخرى تحمل التسمية نفسها فهناك أرادوس على ساحل فلسطين بالقرب من الكرمل، كما أن هناك أرادوس جنوب جزيرة كريت اليونانية وكان يطلق أيضاً اسم أرادوس على جزيرة المحرق في البحرين.
وضمت الجزيرة كما أسلفنا سابقاً القلعة المركزية التي حولها المستعمر في مرحلة الاحتلال الفرنسي إلى معتقل سجن فيه زعماء المقاومة الوطنية الذين قارعوا الاستعمار وناضلوا ضده ولا تزال كتابات هؤلاء المناضلين التي كتبوها على جدران السجن معروضة لزوار القلعة ماثلة للعيان تتحدث عن حبهم للوطن واستعدادهم للتضحية في سبيله وتشوقهم وتطلعهم نحو استقلال سورية وقد كتبوا ذكرياتهم وآمالهم على جدرانها منها بيتان من الشعر الوطني للمفكر والصحفي السوري نجيب الريس الذي سجن فيها:
يا ظلام السجن خيم إٍننا نهوى الظلاما
ليس بعد الليل إلا فجر مجد يتسامى
وطالما تحدثنا في المقال السابق عن جزيرة أرواد فلا بد لنا من أن نعرج ولو بشكل يسير على مدينة عمريت.
عمريت مدينة فينيقية كاملة لا مثيل لها في المنطقة كلها يعود تاريخها إلى العصر البرونزي الوسيط في الألف الثالث قبل الميلاد، وهي كنز أثري ضخم تقع على بعد 7 كم جنوب شرق مدينة طرطوس وتبعد عن البحر مسافة 700 متر ومعنى اسم عمريت بالكنعانية هو العمارة والبناء، أطلق عليها العموريون اسم أمريت كما عرفت في العهدين اليوناني والروماني باسم ماراتوس وكانت عمريت في أيام الإسكندر المقدوني مدينة رئيسة مهمّة يعمها الرخاء ومن أكبر مدن الشرق الواقعة على البحر المتوسط وكانت ذات مكانة اقتصادية مهمّة ونستدل على ذلك من النقود التي صكت في ذلك التاريخ باسم ماراتوس في القرن الثالث والثاني قبل الميلاد، أسسها سكان جزيرة أرواد مثلما أسسوا طرطوس على الساحل المقابل للجزيرة ولعل الهدف من وراء ذلك كان تأمين احتياجات ومتطلبات الجزيرة من المواد الغذائية ومياه الشرب والأخشاب وباقي الاحتياجات المعيشية الضرورية.. وكانت تابعة مباشرة لمملكة أرواد، وتربطها بجزيرة أرواد علاقة قوية ويعتقد بعض الباحثين أنها كانت المدينة الرئيسة في مملكة أرواد وهي منطقة توسع وانتشار لأبناء المملكة ومن أهم آثارها:
– المعبد الفينيقي أو معبد الينبوع وهو محوط بالماء ويعود للقرن الخامس قبل الميلاد نحت في المنحدر الصخري بأبعاد 56 م x 49 م تقريباً وبعمق 3 م، وهو شكل من المعابد نادر الوجود في العالم، وله مكانة كبيرة بين سكان عمريت والمناطق المجاورة له، كان يحيط بساحة المعبد رواق محمول على دعامات ضخمة ما يزال بعض منها قائماً حتى الآن يحيط بالمعبد نبع ماء مقدس يتفجر في داخل كهف في الضلع الجنوبي الشرقي للمعبد موصول بقناة منحوتة بالصخر، ويعتبر بعض الباحثين أن هذا النبع كان له دور رئيس في الطقوس الدينية التي كانت تقام في هذا المعبد ويعتقد بعض الأشخاص أن مياه النبع مقدسة ويشربون منها للاستشفاء والتبرك، وينتصب في وسط المعبد هيكل مربع يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار ونصف المتر وهو منحوت في قلب الصخر وهيكل المعبد مغلق في أضلاعه الثلاثة وضلعه الرابع مفتوح.
– الملعب الرياضي الأولمبي في عمريت أقدم ملعب أولمبي في العالم وهو أقدم من الملعب الأولمبي في أثينا يعود للقرن الرابع قبل الميلاد، ويقع شمال شرق المعبد المنحوت في الصخر أيضاً وأبعاده 225 م x30 م، ويحيط به مدرج يتسع لحوالي 11000 متفرج من الجمهور مكون من سبع درجات، وتقام عليه المسابقات والألعاب الرياضية بما فيها ألعاب القوى والجري، ونؤكد ما ذكرناه في المقال السابق من أن الفينيقيين في الساحل السوري نقلوا معهم ألعابهم الرياضية من سورية، وتحديداً من جزيرة أرواد ومن مدينة عمريت إلى اليونان، حتى إنه أطلق اسم سباق الماراتون نسبة إلى ماراتوس الاسم الذي كان يطلق على عمريت أيام الإسكندر المقدوني.
– المدافن التي تعرف باسم مدافن عزار وهي تعود للقرن الخامس أو السادس قبل الميلاد شيدت فوقها نصب لأشكال مختلفة يعتقد أنها تخص ملوك أرواد وعمريت أو طبقة الأغنياء.
– الموانئ التي كانت مخصصة لملوك أرواد وعمريت تعود إلى القرن السادس أو الخامس قبل الميلاد.
تعرضت عمريت لغزوات عسكرية متعددة حيث تم تدميرها في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد لكن أبناء عمريت أعادوا إعمارها مجدداً في العصر البيزنطي، ولا يزال المعبد والمدافن والملعب وموقع الكنيسة شواهد رائعة على عظمة فن عمريت المتأثر بشكل واضح بفنون الزخرفة المصرية والفارسية واليونانية.
اكتنف الغموض النهاية التي آلت إليها هذه المدينة وإن كان البعض يعتقد أن ضعف الفعالية التاريخية لأرواد التي كانت مملكة فينيقية قوية ومهمّة بسطت سيطرتها خلال فترة من الفترات على أغلب أجزاء الساحل السوري آنذاك قبل أن تتهاوى ويضعف شأنها، قد أدى بشكل أو بآخر إلى أفول نجم مدينة عمريت.
إن الفينيقيين الذين أهدوا للعالم أبجديتهم وعباداتهم وحضارتهم تستحق آثارهم ومن أهمها عمريت أن تلقى اهتماماً مناسباً يرقى إلى تقديمها للعالم كهوية فينيقية كاملة والتخطيط جدياً لاستثمار آثار تلك الحضارات بالشكل اللائق التي من الممكن أن تجعل سورية محجاً للسياحة الأثرية والثقافية، وبالتأكيد فإن المقومات الثقافية تلك تستطيع أن تجعل سورية تتفرد باستثمار آثار هذه الحضارات العظيمة التي عزّت على كثير من دول العالم على حين امتلكتها أمتنا.
والغاية التي أتوخى أن نصل إليها من خلال نشر هذه المقالات الأسبوعية أن ندرك أهمية قراءة التاريخ وضرورة التعرف على أسباب قوته لأنه وببساطة من وعى التاريخ في صدره فقد أضاف أعماراً إلى عمره… ومن وعى التجربة تجنب تكرار الخطأ.
وكذلك فإننا حين نستعرض المشاهد التاريخية السورية ونذكر بأمجاد السوريين فإننا نفعل ذلك ليس من باب السرد التاريخي ولا نهدف من وراء ذلك أن نهز رؤوسنا يمنةً ويسرةً نشوةً وزهواً بما صنعه الأجداد فقط وإنما للتحفيز كي نعيد سيرة أمجادهم ونقتفي أثرهم ولكي نثبت لنا وللآخرين أن جيلنا اليوم الذي يمثل أحفاد هؤلاء العظماء الذين أسهموا بشكل كبير في كتابة أسطر التاريخ الحافل قادر على النهوض مجدداً وعلى التواصل الحضاري والثقافي والمساهمة بشكل إيجابي بكل مجالات الحياة.
وختاماً.. فإن حديثنا عن مقومات التراث الثقافي السوري الثري ليس بحاجة إلى أي خاتمة لأن عراقة سورية وأصالة السوريين حكاية عشق وحب لا نهاية لها.
معاون وزير الثقافة

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock