قضايا وآراء

بين السلم الهش وصراع الحضارات: أوروبا في مئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى

هكَذا سيجتمع قادة العالم في باريس صباح اليوم الأحد للاحتفالِ بالذكرى المئوية لنهاية الحرب العالمية الأولى، لكن اللافت أن الحرب التي سيحتفلون بمئويةِ انتهائها جرَّت خلفها عشرات الحروب، والأساليب التي كانت مُتبعة من قبلِ الجيوش في الهجوم والدفاع خلّفت خلال هذه المئوية عشرات الأجيال المستحدثة حتى وصلنا لجيل الحرب الذكية، أما الإيجابية الوحيدة لهذه الحرب المتمثلة بسقوطِ دولةِ الإجرام العثمانية، فهي انتهت مع انشطار الفكر الإجرامي واللصوصي لتتبناه العشرات من الدول والكيانات والتنظيمات التي لا تقل إجراماً عنها، على رأسها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وتنظيم الأخوان المسلمين.
حال الفوضى التي تعيشها تلك الدول على مستوى العلاقات الدبلوماسية والالتزامات الإنسانية والأخلاقية يجعلنا نتساءل:
هل حقاً أن هكذا مناسبة باتت جديرةٌ بالاحتفال؟ تحديداً أن هذه الدول تعيش ومنذ ما يقارب الثماني سنوات حال الحرب العالمية الثالثة التي يشكل شرقنا البائس مسرحاً لفرعَها العسكري، فيما تشكِّل المحطات الدبلوماسية والهيئات الدولية مسرحاً لفرعِها الدبلوماسي الذي لم تعد فيهِ هذه المعارك حِكراً على الخصوم، بل إنه يتعداها ليصل إلى نزاع الحلفاء فيما بينهم، معاركَ قد تُنهي تحالفاتٍ وتدمر تكتلاتٍ، فما الجديد؟
قبلَ أيام قال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في حديثٍ إذاعي: «لن نحمي الأوروبيين ما لم نقرِّر أن يكونَ لنا جيش أوروبي حقيقي»، ماكرون تحدثَ عن ما هو خطير مستخدماً مصطلح «السلام الهش» في أوروبا، لكن ما هو أخطر أن يصل الأمر بالدعوة لإنشاء «جيش أوروبي» للوقوف بوجهِ التهديدات الروسية والصينية وحتى الأميركية، هنا قد يبدو كلام ماكرون عن الخطر الأميركي الموازي للخطرين الروسي والصيني مجردَ تصريحاتٍ مثيرةٍ للسخرية لا يوازيها إلا التصريحات التي يُطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتلك التصريحات لا تثير السخرية فحسب، لكنها بذات الوقت تثير الشفقة على الحال الذي وصلت إليه «أم الدنيا».
لكن واقع الحال لا يبدو كذلك مع تصريحات ايمانويل ماكرون، فالرجل الذي لا يزال يعيش تحتَ ضغوطِ تدني الشعبية وارتفاعِ نسبِ البطالة مثلهُ كباقي الدول الأوروبية، يعيش كذلك الأمر حالةً من الضغوطِ المتعلقة بتراجع الدور الأوروبي. أما مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحديداً فالقضية ليست مرتبطة بالتراجع فحسب، لكنها مرتبطة بالاهانات التي لا يزال يكرِّرها ترامب تجاهَ الأوروبيين، كان آخرها تصريحاته التي ردَّ فيها على ماكرون وهو في طريقه إلى باريس بأن على فرنسا أولاً أن تدفع التزاماتها المالية المستحقة لـ«ناتو» قبل التفكير بإنشاءِ جيشٍ أوروبي. كذلك الأمر فإن القلق الأوروبي من الحالة الشعبوية التي يمثلها دونالد ترامب لا تزال قائمة، وتحديداً تخوفاتهم من انتقال العدوى إلى أوروبا، هذا الأمر حدث جزئياً في القطب الأوروبي الأهم ألمانيا، أما في الحالة الفرنسية فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار التجربة الأولى بعد الصعود الصاروخي لترامب وهي الانتخابات الرئاسية الفرنسية السابقة، فإنها عملياً عمّقت هذا الشعور على الصعيدين الرسمي والشعبي مع وصول مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبين للدور النهائي، أي أن ماكرون نفسه اليوم لا يحكم بأغلبية أصوات من يحبه، بقدرِ ما يحكم بأغلبية أصوات من يكرهون اليمين المتطرف.
في هذا السياق لا تخفي الأصوات الفرنسية المعتدلة إعلامياً وسياسياً خشيتها من عدم قدرة الفرنسيين مستقبلاً على تلافي هذا الخرق اليميني، تحديداً أن اليمين الفرنسي المتطرف يعيش اليوم حالةً من النقد والتجديد الذاتي التي قد تدفعه لتبديلٍ في الخطاب يتماشى بالحد الأدنى مع خياراتِ الناخبين المترددين، بما فيها إمكانية التخلص من إرث عائلة «لوبين» المسيطرة على الحزب.
هنا تبدو مشكلة ماكرون وغيرهِ من الزعامات الأوروبية انعكاساً لحالِ الضياع السياسي الذي يعيشونهُ، هو يريد تشكيلَ جيشٍ أوروبي لحمايةِ أوروبا، أي إنه عملياً يعترف أن أوروبا اليوم ليست محمية بجيوشها، لكنها محمية بقدرات الناتو الذي يسير وفق المشيئة الأميركية أسوةً بنظيراتها الخليجية، كما أن كلام ماكرون إن تحقق فهذا يعني عملياً انتهاء مفاعيل اتفاق «ناتو»، هذا التنظيم الذي وصفه دونالد ترامب نفسه بأنه من مخلفات الحرب الباردة، قبل أن ينقلب جزئياً على مواقفه مؤكداً أن مشكلته مع الحلف هي فقط النفقات المالية التي لا يتحملها إلا طرف واحد هو الولايات المتحدة.
ربما أن هذا التعارض الكبير بين ماكرون وترامب يقودان لفرضيةِ أن ماكرون لم يطلق تصريحاتهُ جِزافاً، هو ببساطة أرادَ أن يوجهَ رسالة للأميركيين عموماً وللهيئات التشريعية خصوصاً عشيةَ انتخابات التجديد النصفي لمجلسي النواب والشيوخ، أرادَ أن يقرع جرس الإنذار للأغلبية الجديدة في مجلس النواب والمتجددة في الشيوخ عساهم يتمكنون ولو بالحدِّ الأدنى من لجمِ الفوضى الترامبية، لكن حساب الحقل لا يطابق حساب البيدر، فالخوف من ارتماء الأوروبيين في الحضن الروسي هرباً من الأميركي ليس لهُ صدى في الإدارة الأميركية خصوصاً والدولة العميقة عموماً تحديداً أن الأوروبيين ومنذ سقوط جدار برلين أقنعوا شعوبهم بوهم اسمه «الخطر الروسي»، فلا يمكن لهم بين ليلةٍ وضحاها أن يقنعوهم بالعكس، أما الخوف من الانهيار الأميركي انطلاقاً من الاقتصاد وضرورة البحث عن بدائل فهو حلم يقظة حتى الأوروبيين تخلوا عنه فيما يصر البعض وتحديداً فيما يسمى «الإعلام المقاوم» أن الاقتصاد الأميركي سينهار، وتناسى هؤلاء مثلاً أن الأوروبيين أنفسهم خضعوا بالحد الأدنى للعقوبات الجديدة المفروضة على إيران خوفاً من العقوبات الأميركية، أخيراً فإن حلم إسقاط الرئيس عبر البرلمان انتهت مفاعيله على الأقل لعامين بعد المحافظة على الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي، فماذا ينتظرنا؟
حتى الآن لا أحد يستطيع أن يعطي جواباً دقيقاً عما قصدهُ ماكرون بـ«السلام الهش» في أوروبا، هل يقصد مثلاً عودة التوترات العسكرية على شاكلة الحرب اليوغسلافية السابقة التي أشعلها الأميركيون لضرب مشروع الوحدة الأوروبية في مهده؟ لكن لا يبدو أن هناك أرضاً خصبة حالياً لمثلِ هكذا نزاع، أما الصين فهي نجحت حتى مع الأميركيين بإيجاد أرضيةٍ مشتركة في المجال الاقتصادي فلماذا يفشل الأوروبيون في ذلك، مع العلم أن كبريات الشركات الأوروبية تمتلك معامل لها في الصين بسبب رخص الأيدي العاملة.
أما الخطر الروسي فهو نتيجةٌ منطقية للتهديد والتهديد المضاد، إلا إن كان الأمر يتجاوزهُ نحو الدخول في المعترك الطائفي والذي يمارسه الأوروبيون بالخفاء ضد دولةٍ مسالمةٍ كصربيا ومنعها من دخول الاتحاد الأوروبي لأنها حسب زعمهم تابعة لروسيا، وفي الحقيقة هم لا يريدون دولة أرثوذكسية في عمق الكنيسة الكاثوليكية. لكن حتى هذا الاحتمال يبدو غريباً لأن التأثير الطائفي في المجتمعات الأوروبية لا يشكِّل شيئاً، لكن الأخطر في كل هذا أن ماكرون قد يكون في حديثه يريد استنهاض نظرية «صدام الحضارات» التي قد تنتظر أوروبا عاجلاً أم آجلاً لأن الخزانات البشرية القومية والمهاجرة هي أشبه بالنار تحت الرماد لا يعلم أحد متى ستنفجر، عندها لا ينفع الأوروبيين جيش أوروبي ولا غيره لأن من ورطهم بالدرجةِ الأولى سياسيوهم الذين فشلوا بتكوين رؤية سياسية مستقلة عن الولايات المتحدة.
ربما هذا ما يريدهُ دونالد ترامب وهذا ما يحاول ماكرون أن ينبه إليهِ، لكن كل أحاديثهم واحتفالاتهم ومؤتمراتهم الصحفية تبدو وكأنها حوارَ طرشان، يجلس فيهِ الروسي وحيداً بدور المتفرج وهو يرسم في مخيلته صورة القادة الذين سيمثِّلون مستقبلاً الاحتفال بذكرى انتهاء الحرب العالمية الثالثة التي نعيشها اليوم، والتي قد لا نعلم إلى ماذا ستؤول، لكننا نعلم تماماً أن نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم لم يكن يبالغ يوماً عندما تحدث عن مسح أوروبا عن الخريطة، ومن قال أن المسح يعني الإنهاء فقط! من لا يصدق ليتذكر مثلاً أن دولة كالبرتغال اليوم كانت أقدم إمبراطورية في التاريخ وصل بها التمدد لاحتلال البرازيل.
ربما ليس السلام في أوروبا هو «الهش» بل الأدق أن أوروبا ذات نفسها باتت «هشة».

| فرنسا- فراس عزيز ديب

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock