قضايا وآراء

سورية والاقتطاعات التركية

| مازن بلال

تحاول روسيا تفكيك تعقيدات ملف إدلب ضمن توازن قلق لمحاور إقليمية في طور التشكل، فمسألة إخفاق فصل «المعتدلين» عن الإرهابيين حسب بيان الخارجية الروسية لم يحدث رغم «الجهود التركية»، ولكن التحرك الروسي اليوم يواجه احتدام صراع دبلوماسي يخص أنقرة، فهي تقوم بدور خطر جديد في الشمال السوري؛ مستخدمة الخلل الذي أفرزه مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وما خلفته هذه القضية على صعيد العلاقات الإقليمية وليس فقط التوتر بين واشنطن والرياض.
تستخدم أنقرة كل نقاط الاختراق التي حققتها الولايات المتحدة في الشمال السوري، وتضعها ضمن التوازن الذي تريده سواء على مستوى دورها الإقليمي، أو لاعتمادها كمرجعية مذهبية ودينية عوضاً عن المملكة العربية السعودية، ورغم أن تخلي واشنطن عن المملكة أمر مستبعد لكن تركيا تحاول تقديم معايير تحالف مختلف للولايات المتحدة، والساحة السورية ستكون الاختبار لهذه المعايير التي تضمن توازنين أساسيين:
– الأول: يخص الملف الكردي الذي وضعته الولايات المتحدة ضمن أجندتها كـ«حلفاء» لها على الأرض السورية، وربما يطول الزمن قبل أن تستطيع تركيا انتزاع هذا الملف لغياب أي جهة دولية يمكنها أن تطرح الموضوع الكردي كمسألة مستقلة يمكن طرحها خارج سياق الأزمة السورية.
عملياً فإن الولايات المتحدة لا تتعامل مع هذا الملف، سياسياً على الأقل، على قاعدة النزعة القومية، إنما كنقطة ارتكاز للموازنة مع تنامي الدور الروسي داخل الأزمة السورية، ومن هذه النقطة تحديداً تطرح تركيا البديل سواء عبر العشائر أم الميليشيات التي تدعمها في الشمال السوري، ورغم أن أنقرة لا تقدم توازناً على مستوى القوى التي تدفعها عوضاً عن «قوات سورية الديمقراطية – قسد»، إلا أنها ترى أن الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة لهم جذر إرهابي، وأن هناك قوى كردية يمكن التحالف معها، بعضها موجود ضمن «الائتلاف السوري».
– الثاني: يتعلق بطبيعة التحالفات الأميركية القادمة، فأنقرة لا تعتبر تطور علاقاتها مع موسكو تحالفاً بالمعنى العميق بل ترتيبات لدائرة سياسية اقتصادية تضمن استيعاب الأزمات الناشبة وعلى الأخص في سورية، وجاء اتفاق سوتشي بشأن إدلب ليؤكد هذا الأمر، فهو تهدئة إقليمية نتيجة عدم القدرة بين الطرفين الروسي والتركي على رسم أهداف إستراتيجية مشتركة.
استخدمت تركيا الأزمة السورية لانتزاع العديد من الأوراق من يد السعودية على الأخص ما يتعلق بزعامة «العالم الإسلامي»، وهذا التنافس مرتبط أساساً برؤية الولايات المتحدة لطبيعة النزاعات والصراع الدولي، ورغبتها في تدعيم قوة بعض دول المنطقة على حساب صعود الدور الإيراني تحديداً، ففي عمق الخلاف بين أنقرة وواشنطن هناك رغبة تركية في تثبيت مرجعيتها كدولة قادرة على حسم الملفات في المنطقة أكثر من السعودية.
يقدم التأثير التركي القوي في الشمال السوري مسألة تتجاوز «الأكراد» وقوات «قسد»، واعتراضات أنقرة مرتبطة بقيام واشنطن بتجاوزها في هذا الملف وغيره من الملفات، واعتمادها على تجميع قوى صغيرة لمواجهة إيران، فهذه المواجهة لا تريدها تركيا لأنها يمكن أن تبدل الكثير من التوازنات، وهي في الوقت نفسه ترى أن إخفاق «مهمتها» في سورية سيؤدي لاحقاً إلى عدم قدرتها على التحرك القوي في المنطقة عموماً، فحتى مسألة «الناتو العربي» لا يُعتبر أمراً مريحاً لتركيا ولسياسة حزب العدالة والتنمية.
تكمن الخطورة اليوم بأن أنقرة تلعب على التوازنات عبر الملف السوري، لكنها في الوقت نفسه غير قادرة على إزالة أي توتر أو تصعيد لأنها شاركت أساساً في رسم سيناريو العنف القائم، فهي تبحث عن مغامرة إقليمية لتطوير نفوذها الشرق أوسطي رغم أن الشروط كافة لا تتيح صعودها الذي تحلم به، أو استعادة ملامح إمبراطورية أغلق عليها التاريخ.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock