قضايا وآراء

سقوط مدوٍ لمقولة تقاسم سورية

| فارس الجيرودي

قرر الأميركيون قبل أسبوع ممارسة عادةٍ أثيرةً على قلوبهم، وهي عادة التخلي عن الحلفاء والانسحاب دون سابق إنذار، وقع المفاجأة كان واضحاً ليس فقط على ردات فعل الحلفاء الصغار في قسد، بل إن تصريحات المسؤولين الأوروبيين، من فرنسيين وبريطانيين، أظهرت أنهم «آخر من يعلم».
وحدهم الأتراك والإسرائيليون تلقوا إشعاراً مسبقاً بالخطوة الأميركية، ولعل هذا ما يفسر إعلان الرئيس التركي قبل أيام عن خطةٍ لشن حملة عسكرية تركية شرق الفرات ضد من تعتبرهم تركيا امتداداً لإرهابيي حزب العمال الكردستاني.
وهو ما يشرح أيضاً أسباب العملية الاستعراضية الإسرائيلية التي أعلن عنها نتنياهو على الحدود الشمالية، تحت عنوان «درع الشمال»، والتي يبدو أنها لم تكن سوى محاولة إسرائيليةٍ استباقية لتفادي ردات الفعل السلبية للانسحاب الأميركي على الرأي العام الإسرائيلي، ذلك بعدما كان نتنياهو نفسه قد طمأن الإسرائيليين في تموز الماضي إلى أن الانسحاب الأميركي من سورية، لن يكون إلا مقابل انسحاب إيران وحزب اللـه منها.
إذاً ليس وحدهم مسؤولو ما يمسى ميليشيا «قوات سورية الديمقراطية – قسد» من يشعرون بالخذلان نتيجة الخطوة الأميركية، فلقد اجتاحت تعبيرات الشعور بالخيبة تعليقات المحللين والخبراء الإسرائيليين على القنوات الإسرائيلية أمس، بل نقلت القناة العاشرة الإسرائيلية عن مصدر مسؤول وصف ما حدث بأنه «ضربة قاسية لإسرائيل».
ما زاد في وقع الصدمة، تصريحات مسؤول أميركي أن الانسحاب سيشمل منطقة التنف على مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية، ما يعني بحسب محللين صهاينة، إزالة آخر ما يعيق فتح ما وصفوه بأتوستراد سريع من السلاح والمقاتلين بين طهران ودمشق وبيروت.
كما كشف المسؤول نفسه أن واشنطن ستسحب من شرق الفرات كل الموظفين العاملين في خارجيتها خلال 24 ساعة، الأمر الذي يذكر بحالات هروب مماثلة في التاريخ الأميركي، كالهروب من فيتنام عام 1975، والهروب من بيروت عام 1983، وهو ما كان السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد قد توقع حدوثه عندما خاطب الميليشيات الكردية شرق سورية، في تصريح له العام الماضي محذراً «لا تراهنوا علينا، فليس هناك أميركي واحد مستعد للموت من أجل الرقة أو القامشلي، آفاق وجودنا في سورية لن تختلف عن كيف انتهى وجودنا في بيروت في الثمانينيات»، ما اختلف مع ترامب أنه لم ينتظر سقوط خسائر بشرية في صفوف القوات الأميركية حتى ينفذ انسحابه.
النقطة الأخرى الهامة المتعلقة بالقرار الأميركي، أنه تزامن مع إعلان مصادر مقربة من الرئاسة التونسية الأربعاء الماضي عن مشاورات مع دول عربية، من أجل دعوة الرئيس بشار الأسد إلى القمة العربية القادمة في آذار المقبل في تونس، ما يفهم منه تلقي الدول العربية إشارةً أميركية للتأقلم مع واقع الانسحاب الأميركي من المعادلة السورية، خلال المئة يوم المهلة التي أعطاها ترامب لاستكمال تنفيذ الانسحاب، وهي نفسها الفترة التي تفصلنا عن موعد القمة.
بالمقابل بدا الانسحاب الأميركي المفاجئ أشبه برشوةً أميركيةً لتركيا في محاولةٍ لاستعادتها من الحضنين الروسي والإيراني في أستانا، خصوصاً أنها جاءت على التوازي مع المنحة الأخرى المقدمة لأنقرة والمتعلقة بالإفراج عن صفقة الباتريوت.
لكن الأمر أعقد من ذلك، فالوجود العسكري التركي في سورية، يستفيد ذرائعياً من الوجود الأميركي، والانسحاب الأميركي اليوم، يعني أن الانسحاب التركي قادم غداً أو بعد غدٍ على أبعد تقدير، كما أن الخطوة الأميركية لا تترك أمام ميليشيات «قسد» إلا بوابة دمشق للاحتماء من الحملة التركية القادمة، والوقت أمام هؤلاء لم يفت بعد كما تؤكد التصريحات الرسمية السورية.
هذا وحده يبرر التمهل التركي وتأجيل الحملة ضد «قسد»، بعد يومين فقط من إعلان أردوغان المتحمس عن عملية اجتياح شرق الفرات إثر قيام ترامب بتسريب قرار الانسحاب الأميركي من المنطقة له، ويبدو أن أردوغان وخلال القمة التي جمعته الخميس مع الرئيس الإيراني روحاني، تنبه لفخ أميركي ينصب له في شرق الفرات لدفعه للاصطدام بسورية وحلفائها الذين قرر بعد فترة من العناد والمكابرة، الانتقال لخندق التشارك معهم في أستانا.
لذلك لن يصمد أي تحليل للانسحاب الأميركي من سورية لا يضع هذه الخطوة ضمن سياق السقوط المتلاحق للمشاريع الأميركية في المنطقة أمام صمود محور المقاومة، فالإصرار على أن الأميركي مسيطر وعلى أن مخطاطاته تسير على قدم و ساق، وتفسير أي تراجع له على أنه خطة تضمر هجوماً آخر أشرس، هو بالذات المنهج السياسي الذي يدفع بـ«قسد» ومثيلاتها في منطقتنا للرهان الأعمى على الحصان الأميركي، ومن ثم تحمل ثمن هذه الرهانات باهظاً.
على أي حال ومهما اختلفت التقديرات حول نتائج الانسحاب الأميركي من سورية، يبقى الثابت سقوط المقولة المضللة التي روجت لها وسائل الإعلام النفطية الهوى، المعادية للدولة السورية، حول انتهاء الحرب إلى تقاسم أميركي روسي للجغرافيا السورية، ففي سورية انتصر حلف وهزم آخر، والذي رجح كفة الحلف المنتصر وجود الدولة السورية وخلفها الأكثرية الشعبية الداعمة لها في أساس تكوينه، وما نعيشه اليوم من تداعيات إستراتيجية على مستوى الإقليم والعالم ليس سوى ثمرات ذلك النصر الكبير، الذي حسم نهاية عصر القطبية الأحادية الأميركي، ومهد لبزوع عالم جديد أكثر توازناً.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock