قضايا وآراء

شرطي العالم المرعوب يخرق القوانين الدولية

| أحمد ضيف الله

بعد أن أُلغيت زيارتان سابقتان له لتسرب أنباء عنهما ترك واشنطن ليلاً ونُقل «بطائرة مظلمة وجميع النوافذ مغلقة من دون إضاءة على الإطلاق وكل شيء أسود»، وركب «العديد من الطائرات، جميع الأنواع والأشكال والأحجام»، ولم ير «قط شيئاً كهذا»، معلقاً أنه «من المحزن جداً عندما تنفق 7 تريليونات دولار في الشرق الأوسط أن يتطلب الذهاب إلى هناك كل هذه السرية الهائلة والطائرات حولك، وأعظم المعدات في العالم، وأن تفعل كل شيء كي تدخل سالماً»، مؤكداً أنه كان «قلقاً بشأن القيام بالرحلة عندما سمع بما عليه أن يمر به»، معرباً عن «حزنه الشديد» لحاجته إلى كل هذه السرية للقاء الجنود الأميركيين هناك، مقراً بأنه «لا تستطيع الولايات المتحدة أن تبقى شرطي العالم».
هكذا وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب خوفه وفزعه ودخوله كاللص بلداً يعرف أنه هو وجيشه غير مرحب بهما، حيث وصل برفقة زوجته ميلانيا ومجموعة صغيرة من المساعدين ووكلاء الخدمات السرية، وعدد من الصحفيين إلى قاعدة «عين الأسد» في محافظة الأنبار في الـ26 من كانون الأول الماضي، لتفقد القوات الأميركية، و«كان من المفترض أن يُجري استقبال رسمي ولقاء بين رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي والرئيس الأميركي، ولكن تبايناً في وجهات النظر لتنظيم اللقاء أدى إلى الاستعاضة عنه بمكالمة هاتفية تناولت تطورات الأوضاع» بحسب ما جاء في بيان مكتب رئيس مجلس الوزراء العراقي، فيما أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز أن «ترامب لم يلتق رئيس الوزراء العراقي لأن إبلاغ الجانب العراقي بالزيارة جاء قبل فترة قصيرة جداً، وأنه كان من الضروري اتخاذ إجراءات لضمان أمن الرئيس الأميركي أثناء الزيارة».
وقد غادر ترامب بلاد الرافدين من دون لقاء أي مسؤول عراقي ولم يتم الإعلان عن الزيارة التي استغرقت ثلاث ساعات إلا بعد عودته إلى واشنطن.
ترامب بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي كان قد تهرّب من الخدمة العسكرية الإلزامية بتقرير طبي مزوّر، اقتصرت زيارته وتفقد قواته على أخذ صور «السيلفي» معه ومع زوجته ضمن خيمة بقاعدة «عين الأسد» التي كان معظم الحضور فيها من قوات النخبة للعمليات الخاصة الأميركية في العراق «Navy Seal»، الذي أنساه الرعب والارتباك الذي كان فيه، بنشر صورهم من دون إخفاء وجوههم حيث تتخذ وزارة الدفاع الأميركية هكذا إجراء عند التعامل مع هذه القوات عادة، متبعة سرية قصوى في تحديد أماكن تواجدهم.
إن الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق حملت الكثير من معاني الاستفزاز والاستهتار والتعامل الاستعلائي مع الآخرين، بتجاوزه كل الأعراف والأصول الدبلوماسية، وفي انتهاك صارخ لسيادة بلد مستقل، فهي لا تمت بصلة إلى الزيارات الرسمية التي يقوم بها زعماء ومسؤولو دول العالم، التي تحكمها ترتيبات مسبقة وبروتوكولات معروفة، زادها الإعلان عن أن «واشنطن ليس لديها النية في سحب القوات الأميركية من العراق، وإن الولايات المتحدة ربما تتخذ من العراق قاعدة لعملياتها ضد أعدائها في المنطقة، وبينهم تنظيم داعش»، في تهديد واضح لدول الجوار العراقي، وكأن العراق إحدى الولايات الأميركية، أو أن في حضرته ولي عهد سعودي.
الطريقة اللصوصية التي دخل بها ترامب إلى العراق، تكشف مدى طيشه وغروره وعنصريته واستخفافه بشعوب العالم، وتعكس في الوقت ذاته مدى الخشية والاضطراب والخوف من أبطال قاوموا الاحتلال الأميركي فطردوه، وحاربوا الإرهاب الداعشي وهزموه، حتى أن الأربع والعشرين ساعة التي سبقت زيارته، شهدت تحليقاً كثيفاً لمقاتلات وطائرات للمراقبة، مما ساد اعتقاد بأن هناك عملية ضخمة تجري على مستوى المنطقة لاعتقال أبو بكر البغدادي وقياداته دفعة واحدة.
هذا الاستفزاز دفع العديد من القيادات السياسيّة والشعبية إلى التعبير عن سخطها عبر بيانات وتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، مُجمعة على أن الزيارة «خرق للسيادة العراقية»، وأن «الاستهانة بسيادة العراق من ترامب لن تمر من دون عقاب»، متوعدة بأن «رد العراقيين سيكون بقرار البرلمان إخراج قواتك العسكرية رغماً عن أنفك»، و«إذا لم تخرج، فلدينا الخبرة والقدرة لإخراجها بطريقة أخرى تعرفها قواتك التي أجبرت على الخروج ذليلة في 2011»، وخاصة أن تواجد القوات الأميركية في قواعد عسكرية في العراق لم يكن أمراً مرحباً به على الدوام.
إن الزيارة – الغارة لترامب تضع الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة استمرار التواجد العسكري الأميركي في العراق، والأهداف الحقيقية له، وما يمكن أن تشكل هذه الأهداف من تهديد لأمن العراق والمنطقة، حيث أصبح لازماً على القوى السياسية العراقية وضع حد لذلك، وخاصة أن الولايات المتحدة الأميركية بعد أن سحبت قواتها من العراق عام 2011، عادت وعززت وجودها العسكري عبر قواعدها العسكرية الموجودة في بغداد «التاجي وفيكتوري»، والأنبار «عين الأسد والحبانية»، وصلاح الدين «بلد الجوية»، وأربيل «حرير ومطار أربيل الدولي»، والموصل «القيارة»، وكركوك «K1»، حيث ينتشر نحو 5 آلاف جندي أميركي منذ تشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة عام 2014 بحجة محاربة تنظيم داعش، إضافة إلى ما يدور هذه الأيام عن قيام القوات الأميركية بإنشاء موقعين عسكريين في محافظة الأنبار قرب الحدود مع سورية، واحد بمنطقة «الرمانة»، والثاني في منطقة «الرطبة» عند المثلث الفاصل بين العراق والأردن وسورية.
إن الرئيس ترامب وإدارته ضربا عرض الحائط بـ«الاتفاقية العراقية الأميركية الإستراتيجية طويلة الأمد» الموقعة بين البلدين في تشرين الثاني 2008، التي اعتبرت أن «التعاون مبني على أساس الاحترام الكامل لسيادة كل منهما وفق أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، دون تجاوز سيادة العراق على أرضه ومياهه وأجوائه، وبناءً على كونهما دولتين مستقلتين متكافئتين ذوات سيادة»، وبأنه «لا يجوز استخدام أراضي ومياه وأجواء العراق ممراً أو منطلقاً لهجمات ضد دول أخرى».
وما من شك أن استمرار الإدارة الأميركية في تعاملها بهذه الطريقة مع وجود قواتها في العراق، التي ضعضعت وحدته الاجتماعية وسرقت ثرواته وكنوزه الأثرية، وسلطت عليه صفحات متعددة من الإرهاب منذ عام 2003، بأسماء وعنوانين متعددة كالقاعدة والتوحيد والجهاد وشورى المجاهدين وفصائل التخويل وداعش وغيرها، ستدفع بالعراقيين إلى استخدام جميع الوسائل التي تضمن إلغاء «الاتفاقية العراقية الأميركية الإستراتيجية طويلة الأمد» والتي تم بموجبها الانسحاب الأميركي من العراق في الـ31 من كانون الأول 2011، والعمل مجدداً على طرد القوات الأميركية وجميع القوات الأجنبية الأخرى من الأراضي العراقية.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock