ثقافة وفن

قلعة المرقب المهيبة … أحد شواهد التاريخ السوري العظيم

| المهندس علي المبيض

كنا قد قدمنا بالمقالات السابقة لمحةً موجزةً عن بعض القلاع والحصون والأبراج في سورية حيث تعتبر القلاع والحصون في سورية من المعالم التاريخية المهمة التي شيدت منذ آلاف السنين، وهي رمز حضاري وتراثي ثمين تشهد للماضي الحافل المملوء بالأحداث التي ساهمت بكتابة التاريخ العريق، وما أدته من دور حيوي وبارز عسكرياً واجتماعياً وسياسياً وهي نتاج خبرات تراكمية لعقود طويلة من المعارف الإنسانية وانصهرت فيها القيم الدينية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والعادات والتقاليد.
ووصل بنا الحديث إلى محافظة طرطوس حيث أعطينا لمحةً موجزةً عن قلعة أرواد، مدينة عمريت قلعة الخوابي، قلعة الشيخ ديب، حصن سليمان، قلعة الكهف، برج ميعار، قلعة العريمة، قلعة يحمور، قلعة العليقة، برج صافيتا، قلعة القوز، قلعة أم حوش، قلعة القدموس، برج تخلة، حصن مرقية، قلعة بانياس.

ونستكمل في مقالنا اليوم الحديث عن تلك المعالم الدفاعية التاريخية في طرطوس، وقد استفسر بعض السادة القراء حول أمر مهم وجدير بالبحث أنه على الرغم من انتشار القلاع والحصون على كامل الجغرافيا السورية إلا أن هنالك كثافة لوجود القلاع وانتشار الحصون في منطقة الساحل السوري بالتحديد، والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان مباشرةً هو لماذا كثر بناء هذه المباني العسكرية في هذه الجبال بالذات؟ حيث تم توثيق أكثر من عشرين قلعة وحصناً في محافظة طرطوس وحدها، وللإجابة عن هذا الاستفسار برأيي الشخصي أجد أنه من الضروري الإشارة إلى نقطة مهمة هي أنه بات من المؤكد أن بناء القلاع والحصون في منطقتنا قد شهد نشاطاً ملحوظاً في السنوات الأولى للفتح العربي لساحل بلاد الشام، لكن مع مرور الوقت راح الإهمال يصيب هذه المنشآت الدفاعية تدريجياً، إلى أن عادت وشهدت نهضتها الكبرى في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، ومن المعلوم أنه ترتفع على طول ساحل بلاد الشام سلسلة جبال شاهقة تحمي المناطق الداخلية مما قد يحمله البحر من غزاة وأطماع، ففي لبنان تنقسم هذه الجبال إلى سلسلتين جبليتين شاهقتين ووعرتين بما فيه الكفاية لتشكل عوائق وموانع طبيعية، أما في سورية فإن هذه الجبال تنخفض نسبياً (نشدد على كلمة نسبياً) وتتخللها ممرات يمكن للغزاة أن يسلكوها ليلجوا منها إلى الداخل مما قد تشكل خطورة لابد من تلافيها والتخفيف من شدتها وذلك بزيادة عدد القلاع والحصون.
برج الصبي أو برج المراقبة هو معلمٌ أثريّ وجزء مهم من دفاعات قلعة المرقب استخدم كبرج مراقبة يتبع لقلعة المرقب بهدف مراقبة الساحل وكمركز للدفاع عن القلعة، يقع برج الصبي في محافظة طرطوس على يمين أوتوستراد طرطوس- اللاذقية جنوب غرب بانياس وهي مرفأ فينيقي قديم، كانت تعرف أيام اليونان باسم بلانيا وتشتهر ببساتينها وحدائقها والتلال الخضراء العالية الممتدة لما وراء المدينة والتي تعلو إحدى قممها قلعة المرقب المهيبة الضخمة بأحجارها البازلتية السوداء، يبعد برج الصبي مسافة 2 كم غربيّ قلعة المرقب شيد على رأس هضبة جبلية مشرفاً بشكل مباشر على البحر ويقع وسط طبيعة جميلة جداً جمعت بين البحر الأزرق والجبل الأخضر ويعود تاريخ بنائه إلى الفترة الصليبية في القرن الحادي عشر الميلادي ليزيد من تحصين قلعة المرقب وحماية الساحل المجاور لها، وحماية مرفئها الساحليّ الصغير.
برج الصبي عبارةٌ عن بناءٍ مربَّع الشكل مكون من طابقين، مبنيّ من الأحجار البازلتية السوداء تضم جدرانه فتحات مرامي السهام وقد عثر في إحدى هذه الفتحات خلال أعمال الترميم التي جرت في عام 2001 م، على لوحة من الفرسك تمثل سمكة بنية ضمن حوض ماء.
توجد أسطورتان حول أصل تسمية برج الصّبي تقول الأسطورة الأولى إن ابن ملكٍ من ملوك الساحل أراد تقليد قلعة المرقب الخاضعة لحكم والده فشيَّد البرج فنُسب إليه باسم الصبي بينما تقول الأسطورة الثانية أن التسمية كناية عن أن قلعة المرقب هي الأم، والبرج هو الابن الصبي العائد لها، على حين يتناقل أبناء المنطقة أن سبب تسمية البرج تعود لسبب وجود ممر يربط قلعة المرقب بالبرج أو حتى بشاطئ البحر.

قلعة المرقب
قلعة أثرية مهمة جداً وجميلة تقع على هامش السفوح الغربية لجبال اللاذقية، وتعتبر قلعة المرقب من روائع القلاع على مستوى العالم ويمكن القول إنها أشبه بمدينة صغيرة فريدة من نوعها، ويستطيع المرء أن يمضي يوماً كاملاً بالتجول داخلها وتأمل معالمها المدهشة والتمتع بمنظر الجبال الخضراء البعيدة والوديان السحيقة المحيطة بها والنظر إلى البحر القريب الواقع بالجهة الغربية منها، تقع قلعة المرقب في محافظة طرطوس وتبعد 5 كم جنوب شرق مدينة بانياس، عرفت باسم ماركابوس وأطلق عليها البيزنطيون اسم مرغاتوم ومارغانت وسماها العرب قلعة المرقب لكونها تسمح بالمراقبة منها.
تقع فوق مرتفع جبلي بركاني صخوره من البازلت متقدم وشديد الانحدار وخاصةً باتجاه البحر وهي مشرفة على المناطق المحيطة بها يمكن الوصول إليها في حالة النجدة ولا يمكن الوصول إليها في حالة القتال بسبب إشرافها الكبير على المناطق المحيطة بها والواقعة تحت سيطرتها، ذكر أحد علماء الآثار بأن النسر والصقر فقط يستطيعان التحليق فوق أسوارها لشدة منعتها، ترتفع قلعة المرقب نحو 360 متراً عن سطح البحر، ويعطيها ذلك موقعاً منيعاً ومشرفاً يجعلها تتحكم بالطريق الساحلي على البحر الأبيض المتوسط والطرق الداخلية القديمة المؤدية إلى القدموس ومصياف، تبلغ مساحتها نحو 100000 م2 ويمكن أن تستوعب مؤونة ومواد غذائية تكفي مدة خمس سنوات، تشرف القلعة على البحر ويستطيع المرء أن يرى منها قلعة القدموس وقلعة العليقة وجزيرة أرواد وحصن مرقية بالعين المجردة، بناها العرب في القرن الحادي عشر الميلادي، ثم استولى عليها البيزنطيون قبل أن يتناوب العرب والصليبيون على السيطرة عليها خلال مراحل زمنية عديدة، اجتازها صلاح الدين الأيوبي وهو متجهاً للشمال عام 1188 م، من دون أن يداهمها ولا تزال آثارها المهيبة شاهداً على الأدوار التاريخية العظيمة التي لعبتها وتزيد إلى جمال الطبيعة سحر الفن وعظمة السوريين، بنيت القلعة من الحجارة البازلتية ويحيط بها سور مزدوج، سور داخلي وسور خارجي بهدف زيادة تحصين القلعة، ويضم السور الخارجي الأبراج الدفاعية المنيعة وعددها أربعة عشر ويشكل خطوطاً دفاعية للحصن الداخلي كما يحيط بالقلعة خندق عميق محفور في الطبقة الصخرية المحيطة بها، وتقسم القلعة إلى قسمين: القلعة الخارجية وتشمل الأبنية السكنية ويظهر فيها عدد من أبراج السور الخارجي ومرامي السهام العديدة التي يضمها، والقلعة الداخلية وهي عبارة عن قلعة صغيرة مستطيلة الشكل تقريباً تقع على الذروة الجنوبية للقلعة وتسيطر على مساحة واسعة تمتد إلى كل الجهات وقد زودت بمرامي السهام بشكل تنعدم فيه النقاط الميتة تماماً كما تضم مجموعة من الأبنية الدفاعية المحصنة بأبراج دائرية ومستطيلة يعلوها البرج الرئيسي ويفصلها عن القلعة الخارجية قناة مائية عريضة من الجهة الشمالية.
البرج الرئيسي وهو أهم بناء في القلعة ويعد نموذجاً مثالياً للأبراج الدائرية التي أقيمت في تلك الفترة الزمنية يبلغ قطره 21 م تقريباً وهو مكون من طابقين مع متراس دفاعي يتوج الطابق الأول وهو مزود بمرامي السهام التي وزعت على محيط البرج بحيث لا تترك حول البرج أي نقطة لا يمكن الدفاع عنها. إن شكل البرج ومنعته وفخامة بنائه التي يتمتع بها من حيث الارتفاع والقطر وسماكة جدرانه تؤكد أنه كان على الأغلب مخصصاً لقائد حامية القلعة.
يتم الدخول إلى القلعة عبر برج البوابة الرئيسي الذي يمكن الوصول من خلاله إلى القلعة الخارجية والقلعة الداخلية مشكلاً صلة وصل بين السورين الداخلي والخارجي أما قاعات القلعة فموزعة في أبراجها ومزودة بكوات ومرامي السهام كما تتناوب الأبراج الدائرية والمستطيلة على الواجهات الخارجية، وتضم القلعة الكثير من المخازن والمنشآت العسكرية والمدنية بعضها يعود إلى الفترة الصليبية وبعضها الآخر عربي وعدة آبار وكنيسة جيدة المعالم وهي أكثر الأبنية ارتفاعاً بين الأبنية المحيطة بالساحة الرئيسية اكتشفت فيها لوحة جدارية ملونة تمثل السيد المسيح وتلاميذه، يشكل مسقط القلعة الضخم مثلثاً ضيقاً تتجه زاويته الحادة نحو الجنوب ويندمج حرفه مع الصخور المشكلة لجبل الأنصارية، وتبدو نقطة ضعف الموقع في الجهة الجنوبية التي كانت السبب في زيادة التحصين عند هذه الزاوية الدائرية لصد الهجمات المتوقعة من ذلك الاتجاه وهذا يعكس الخبرات العسكرية والمعمارية الهائلة المتراكمة لدى السوريين.
تم ترميم القلعة وإصلاح الأضرار الناتجة عن التدمير التي لحق بأجزاء كبيرة من أبراجها بسبب المعارك التي دارت فيها خلال فترات زمنية متلاحقة وتم تدعيمها وأضيف إليها أبراج جديدة وتحصينات بسبب الأضرار التي أصابتها بفعل العوامل الجوية ولتلافي نقاط الضعف التي ظهرت خلال الهجمات والأعمال العسكرية التي تعرضت لها وظلت القلعة قاعدة للانطلاق للهجوم ضد الصليبيين وعاشت مرحلة من الحكم الذاتي إلى أن تحولت إلى مقر لقوات الاحتلال العثماني وسجن للمتمردين على الاحتلال.
ونبقى نحن أصحاب وعشاق هذه الأرض الطاهرة..
نعيش عليها ونقدس ترابها
ونورث حبها الأبدي للأجيال..
جيلاً بعد جيل.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock