قضايا وآراء

ذئب الشمال وأبواب الجامعة العربية

| سيلفا رزوق

لا أعلم كيف باتت تمر التصريحات التركية وما تعكسه من مشروع عدائي متجدد لمنطقتنا مرور الكرام لدى الإعلام العربي، الذي ينشغل اليوم بكل شيء إلا مواجهة حقيقة ما يتربص بالشعوب العربية من مخاطر، ومن يدير لعبة الفوضى بأكملها؟ ولمصلحة من؟
آخر التصريحات التركية التي عكست بصورة وقحة أجندة أنقرة الرامية لاستعادة ما تقول إنه الإرث العثماني، جاءت على لسان وزير داخليتها، سلَيمان صويلو، الذي قال: إن دمشق وحلب كانتا لتركيا أيام احتلال بلاده للأراضي العربية لأربعمئة عام مضت.
قد لا تبدو التصريحات التركية جديدة، كما أن التنبيه لخطورة ما تتمناه أنقرة ليس بجديد أيضاً، لكن ما يلفت الانتباه أن مثل هذه التصريحات تأتي في وقت بدا فيه أن الحراك العربي ترتفع وتيرته، باتجاه عودة دمشق للجامعة العربية، ومعه ارتفعت وتيرة الحراك الروسي حيث زار وزير خارجيتها سيرغي لافروف عدداً من دول المنطقة، وأطلق خلال هذه الزيارة جملة من التصريحات بدت إيجابية في هذا السياق.
لكن التصريحات الروسية التي أعقبت هذه اللقاءات رسمت صورة المشهد العربي بشكل واضح ومتوقع، فلا تحرك عربياً دون كلمة سر أميركية، وواشنطن التي لا تملك غير مشروع الفوضى مازالت بحاجة إلى مزيد من الوقت لإنجاز ما تريد.
التفسير الروسي لما يجري يبدو مفهوماً ومعقولاً إلى حد كبير، لكن ما هو غير معقول هو منحى التفكير العربي في الذهاب نحو تنفيذ كل ما تطلبه واشنطن منذ عشرات السنين، من دون الانتباه إلى حجم الكارثة التي تهدد مفهوم الكيان العربي كله.
حتى الآن ووفقاً للمنظور وللعينين الأميركيين لا تزال معزوفة «الخطر الإيراني» تطغى على الأداء الرسمي العربي، من دون الالتفات جدياً وعملياً للخطر الحقيقي القادم من الشمال، الذي لم يسع للتستر على نفسه، بل أعلن عن أدواته من «إخوان مسلمين» وغيرهم لتنفيذ طموحاته التي لولا وقوف الأغلبية الساحقة من السوريين في وجهها، لكانت اكتسحت موجة العثمنة الجديدة المنطقة العربية من البحر إلى البحر.
تضحيات السوريين لسنوات مضت، وكم الدماء التي سالت لحماية كيان وحدود بلدهم، كانت نتائجها أبعد بكثير، واستطاعت حتى الآن حماية كيانات أخرى هي شريكة بالتآمر عليهم، وبذلت كل ما استطاعت إليه من مال وسلاح لقتلهم وإضعافهم بحجج أميركية المنشأ، إسرائيلية الهوى.
التساؤل الذي يبدو أكثر إلحاحاً اليوم، ماذا لو لم يصمد السوريون في وجه ما خطط لهم، أي بدائل كانت بانتظار المنطقة؟ ألم تعبّر أميركا علانية عن إعجابها بالتجربة التي كانت من صنيعتها ودعمها لتصبح قدوة «زائفة» لدى الشعوب العربية، فتتحول تركيا إلى إنموذج اقتصادي وإسلامي «معتدل» يكون مقبولا من الغرب، ويسمح لنفاذ مشروعها، كبديل محتمل للأنظمة القائمة.
الغريب بالأمر بأن جميع الدول غير العربية تنبهت لخطورة الأحلام العثمانية المتجددة، ولم تنتظر طويلاً في الرد المباشر وغير المباشر على ما يحلم به حكام أنقرة، فلا أوروبا تهاونت مع هذه التهديدات، ولا حتى الصين التي وجهت تحذيرات سريعة ومباشرة لتصريح تركي بدا خارج حدود السياقات التي تسمح بها بكين، عندما أشار وزير الخارجية التركي إلى ما سماه «معاناة» الأويغور في تركستان الشرقية.
وحدهم «العرب» مازالوا يقدمون المبررات لما تطلبه واشنطن، ويبحثون باستمرار عن دلائل لتدخل إيراني «مزعوم»، لا يملك أي أثر فعلي على الأرض منذ عام 1979 وحتى الآن، وهم مازالوا يفكرون بإمكانية عودة دمشق إلى جامعتهم من دونه، دون الالتفات لحقيقة ثابتة وراسخة، وهي حاجتهم إلى دمشق، وليس حاجة دمشق إليهم.
دمشق التي قدر لها موقعها الجيوسياسي، أن تكون وعبر كل مفصل تاريخي، البوابة التي تحمي الشرق كله، تمارس اليوم دورها المحتوم، وتصر رغم حالة الخيبة المعروفة والمبررة لدى الكثير من السوريين، على التذكير بعمقها العربي، وتذهب حتى آخر الطريق لمواجهة مشروع وجودي قادم من الشمال، لم يترك وسيلة ولا أداة إلا واستخدمها للنفاذ عبرها نحو البوابات الأخرى التي لن تملك ذات إرادة الصمود في مواجهته.
عودة سورية للجامعة العربية، حاجة عربية بامتياز، ودمشق التي لعبت على الدوام دور الوسيط الضامن بين الدول العربية، وبين إيران، غاب دورها بتغيبها، بينما تبدو تلك الدول اليوم بأمس الحاجة لهذا الدور، مع تغير الأولويات الأميركية، وتغير العالم، وتكريس واشنطن لحدود وأحجام وأدوار حلفائها، بما يخدم مصالحها دون الالتفات لأي شيء آخر.
سورية تخط اليوم سطوراً جديدة ومفصلية في معركتها شمالاً، وتخط معها ترتيبات حدودية منتظرة، لا ينبغي أن يكون للعثماني الحالم والطامع، أي موطئ قدم فيه، وسيذكر التاريخ مرة أخرى بأن أبناءها حموا أرضهم وحموا المنطقة معهم.
السياسة تقول إنه ما من أبواب مغلقة على الدوام.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock