قضايا وآراء

رسالة إلى الشعب الأميركي

| نبيل الملاح

كنت واحداً من الذين استبعدوا وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية لأسباب عديدة أهمها أنه بدا بوضوح من خلال حملته الانتخابية عدم أهليته لرئاسة دولة عظمى تلعب دوراً محورياً في قيادة العالم ورسم معالمه، فلقد كانت تصريحاته سطحية ومتناقضة وتنم عن جهل في السياسة والعلاقات الدولية، وظهرت خلفيته كرجل أعمال لا يفهم إلا لغة المصالح بمفهومها الضيق بعيداً كل البعد عن القيم والمبادئ التي يُفترض أن تحكم السياسات الأميركية وتناصر الحق والعدل.
لكن على ما يبدو أن ضغط اللوبي الصهيوني استطاع أن يحرف إرادة الشعب الأميركي باتجاه انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة خلافاً لكل الاستطلاعات التي تمت حينها، وأتمنى أن أكون مصيباً في هذا الاستنتاج، وإلا فسنكون أمام كارثة عالمية كبرى إذا تبين أن الشعب الأميركي يؤيد رئيس كهذا.
لم تكن مواقف الرئيس السابق باراك أوباما حول العديد من القضايا وتحديداً قضية فلسطين بالمستوى المطلوب والحازم؛ لكنها كانت متوازنة، ولو من الناحية الشكلية، وحافظت إلى حد معقول على استقلالية القرار الأميركي وعدم خضوعه كلياً للإرادة الصهيونية.
وما قام به ترامب مؤخراً يوضح أكثر وأكثر خلفية الانقلاب الجوهري الذي حدث في انتخاب الرئيس الأميركي ومواصفاته وأدى إلى وصول ترامب إلى الرئاسة بمواصفات لم تكن معهودة بأي رئيس أميركي.
لقد جاء قراره الأخير بالاعتراف بسيادة إسرائيل الكاملة على الجولان، فجأة دون أي حيثية تبرر هذا القرار الذي تجاوز الشرعية الدولية والقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، ويسيء بشكل فاضح للولايات المتحدة الأميركية ويجعلها دولة خارج القانون بل خارج العالم الذي من المفترض أن يحكمه ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
على العالم كله والشعب الأميركي تحديداً أن يدرك أن هذا القرار سيجعل السلام مستحيلاً وسيجعل إسرائيل أكثر تعنتاً، وبالتأكيد فإن العرب لن يقبلوا هذا القرار الجائر وسيقاومونه بكل الوسائل والسبل وهم مدركون أن ما يقوم به ترامب يأتي في سياق المشروع الصهيوني الذي يستهدف الأمة العربية في مرحلته الأولى ويستهدف العالم كله في النتيجة، فهل أنتم مدركون ذلك؟
وليدرك أصحاب هذا المشروع الخطر والمدمر أن الحكام العرب الذين يسيرون في ركب ترامب لن يستطيعوا الصمود طويلاً أمام غضب شعوبهم، ولن يستطيع ترامب وغيره حمايتهم وسيرمون بمزبلة التاريخ وسيلقون حسابهم في الدنيا قبل الآخرة.
إن ما يصرح به بعض المسؤولين العرب حول تسويق السلام مع إسرائيل، لا يمثل إلا هؤلاء العملاء الصغار وأسيادهم الذين ارتهنوا للمشروع الصهيوني ويتحدثون بوقاحة العميل الرخيص.
إن السلام كان ومازال وسيبقى خيارنا الاستراتيجي وهدفاً سامياً أكدته تعاليم الديانات السماوية وتقاليدنا العربية الأصيلة؛ ويعرف الجميع أن إسرائيل هي التي عرقلت جهود السلام وأجهضت المبادرات كافة رغم التنازلات التي قدمها العرب، وعلى العالم والشعب الأميركي أن يجيب بصدق وشفافية عن السؤال الذي لا بد من الإجابة عنه: هل إسرائيل تؤمن بالسلام الحقيقي العادل والشامل؟ أم إنها تدفع الحكام العرب للاستسلام؟ وهذا لن يكون سلاماً بالتأكيد، فالسلام الذي لا يعيد الأرض ويحفظ الحقوق ليس سلاماً ولن يدوم، ولم تكن الحرب في يوم من الأيام إلا طريقاً لتحقيق السلام.
إن قرارات ترامب تأتي مناقضة لما يدعيه والغرب عموماً بمحاربة الإرهاب؛ فالظلم وعدم تحقيق العدل والعدالة يؤدي حتماً إلى التطرف ونمو الإرهاب بأشكال ووسائل مختلفة، وفي النهاية لابد أن ينتصر الحق ويتحقق العدل مهما طال الزمن، فهل من عقلاء في الولايات المتحدة الأميركية يوقفون هذا الانهيار المتسارع الذي سيأخذ العالم إلى المجهول.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock