ثقافة وفن

المسرح ظاهرة ثقافية سلوكية تربوية … الآن.. أين هو فيما نشهده من تغيرات وتبدلات اجتماعية وسياسية؟

| هناء أبو اسعد

جوان جان: «إذا أردنا لمسرحنا اليوم أن يكون مؤثراً وفعالاً فعلينا أن ننتقل به إلى كل مكان يمكن الوصول إليه»

هو أبو الفنون، وأقدمها، وأكثر وجوه الحضارة شهرة، جذوره ضاربة في القدم، هو الفن القادر على تحريك المعتقدات الراسخة في حياة المجتمعات ومشاعر الإنسان، يساعد في إيقاظ الوعي عند الناس لرفض أي واقع لا يعجبهم وتبديله بالأفضل حسب الحقوق المشروعة للإنسان.
هو أكثر الفنون ارتباطاً بالنسيج الاجتماعي، والأكثر تقرباً مما يجري في المجتمع من تبدلات وتغيرات على مختلف المستويات، يعبر عن رؤية الإنسان وهمومه وتطلعاته، لأنه انعكاس للحياة الاجتماعية وأحد مكونات الحياة الأساسية، إنه المسرح.
1 – فهل تخف شعلته في العالم مع تقدم التكنولوجيا؟
2- وما دور المسرح فيما يشهده مجتمعنا من تغيرات وتبدلات؟
3- وأي دور له فيما نعيشه من تفكيك للقيم والمبادئ التي تربينا عليها وعشناها منذ الأزل؟‏
عن ذلك حدثنا الكاتب والمخرج المسرحي والموسيقي محمد بري العواني والناقد المسرحي ورئيس تحرير مجلة الحياة المسرحية جوان جان.

يرى العواني: عبر آلاف السنين لم ينفك المسرح عن مجاراة التطورات التكنولوجية معبِّراً بذلك عن حيويته التي هي حيوية الإنسان على اعتباره منتِجاً مبدِعاً، ومستهلكاً مبدعاً أيضاً. وهذا يعني أنه ابن الإنسان وليس ابن الآلهة، بل هو ابن الحاجة الثقافية والمعرفية، وابن الحاجة الاجتماعية الإنسانية التاريخية بكل تجلياتها.
غير أن هذا الكلام لا ينطبق للأسف على مسرحنا العربي الذي لا يزال يدور في فلك خشبة تقليدية بكل ما تحتويه من إضاءة وديكورات وأغراض الخ، بل ومن حركة مسرحية يقوم بها الممثلون بما في ذلك الذي صرنا نسميه سينوغرافيا.
وأضاف: إن مسارح العالم- باستثناء مسارح العالم الثالث- تتوهج شعلاتها ليس بسبب مواكبة المسرح نفسه لتطور التكنولوجيا، بل لأنه ظاهرة اجتماعية ثقافية. والظاهرة الثقافية سلوك معرفي وعلمي وروحي الخ لأن الثقافة طعام وشراب لا بد منهما.
حين يكون المسرح هكذا فإن تطوره على جميع الأصعدة يعني تطور مجتمعه المنتج إبداعياً له. ذلك لأنه لا يجوز أن يتطور المجتمع مثل هذه التطورات العلمية والمعرفية المبهرة ويبقى مسرحه متخلفاً في شكله ومضمونه وضرورته!
بل إن على المسرح أن يكون كذلك أكثر من السينما باعتبارها صناعة؛ وصناعة ثقيلة، تشبه صناعة الصواريخ والغواصات. لأن هذه الصناعة تغير الآن وهنا، وفي كل آن ومكان من أنماط التفكير من خلال الضخ السريع للأفلام الموجهة، ومن ثم فإن صناعة السينما الإيديولوجية تعمل على هدف تغيير ثقافات الأمم والشعوب وتغيير أنماط حيواتها.
ولأن المسرح ليس سينما على اعتباره لقاء مباشراً مع مستهلكيه فلا بد له من مواكبة التكنولوجيا وتطوير أدواته الفعالة.
وعن دور المسرح فيما يشهده مجتمعنا من تغيرات وتبدلات قال: ليس للمسرح دور آني، سريع، وكأنه ساحر عبقري. لأنه ليس صاروخاً يهدم بثانية ما هو عصي على الهدم. بل إن هذا ليس من مهامه الراهنة الآنية المرحلية.
مضيفاً: إن دور المسرح دور إستراتيجي بعيد المدى، إنه تاريخ يراكم الخبرات والمعارف والثقافة عبر ثقافة إثارة الأسئلة ومحاولة البحث عن حلول إستراتيجية.
وأكد أنه يجب علينا أن نستبعد من حواراتنا السؤال الدائم عن دور المسرح في التغيير والتحويل والتعديل، ومن ثم يجب أن نكف عن طرح الأسئلة حول دور المسرح مما يشهده مجتمعنا من تغيرات وتحولات.
ما يجري واقعياً في سورية والوطن العربي ليس نكتة ساذجة، بل هو تحول واقعي خطر وعميق موغل في التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي والمعرفي. وهذا يعني أن المشكلة ليست في وجود الإرهاب بكل مسمياته وتجلياته. بل إن المشكلة تكمن في الجذور التاريخية للفكر الإرهابي المنتج للإرهاب من أجل تدمير ثقافات الأمم والشعوب العريقة ليتم القضاء على الإنسان الفارغ من أي ثقافة. وتكمن المشكلة أيضاً في فهم طبيعة ووظيفة القوى التي تنتج هذا الإرهاب العالمي المبني على إلغاء الآخر وتكفيره وقتله. ولسوف نرى أن أميركا وإسرائيل تشتركان في صفة المنتج الرئيس للإرهاب لكونهما تستمدان هذا الحق من حق إلهي.
لذلك فالمسرح فن إستراتيجي لا تظهر فاعليته وآثاره إلا بعد زمن. لكنه يظل على الدوام مفجراً للأسئلة، ومحرضاً على اكتشاف جواهر المشكلات لا أعراضها.
أما عن دور الفن المسرحي فيما نعيشه من تفكيك للقيم والمبادئ التي تربينا عليها وعشناها منذ الأزل أجاب: كل أزمة تخلق معها بالضرورة وبالقوة تفكيكاً لمجموعات كثيرة من القيم والمبادئ. ولكن هذه الأزمة تخلق في الوقت نفسه كثيراً من القيم والمبادئ الجديدة التي تتناسب مع المستجدات الراهنة، وهذه جدلية طبيعية.
وعلى هذا فإن ما هو مطلوب من المسرحيين ليس محاكاة ما هو متحول ومتغير الآن بفعل الظروف المتحركة، بل المطلوب فهم جوهر الأزمة تاريخياً كي يتمكنوا من فهم طبيعتها وتفكيكها.
ويبدو أن المطلوب أيضاً هو إعادة بناء منظومة قيم ومبادئ بما ينسجم مع الحياة الجديدة؛ حياة الحرب والدمار، وخاصة إعادة بناء النفس الإنسانية المشبعة بالتفاؤل والأمل، والباحثة عن حياة منسجمة وواعية.
إن لحظة المسرح التاريخية- بالتعاون مع الفنون والآداب الأخرى- تقوم على بناء الإنسان الجديد فكراً وروحاً. وهذه هي إستراتيجية المسرح ودوره الفعال، وهذا يتطلب زمناً ليس قليلاً. وما لم يتحول المسرح العربي إلى ظاهرة ثقافية سلوكية فإنه سيبقى مجرد وسيلة للترفيه والتنفيس والمزايدات السياسية والفكرية.

مسرحيونا ابتعدوا إلى حد ما عن الذائقة الجمالية والحاجات الفكرية لمشاهدينا
الناقد المسرحي ورئيس تحرير مجلة الحياة المسرحية الأستاذ جوان جان قال: لا شك أن مسألة التكنولوجيا ودورها في تطور العرض المسرحي مسألة معقدة، ففي عودة إلى تاريخ نشوء المسرح في العالم نجد أن المسرح الإغريقي (اليوناني القديم) على سبيل المثال في القرن الخامس قبل الميلاد قد استفاد من كل الوسائل التكنولوجية المتاحة بهدف إيصال الفكرة المطلوبة إلى المشاهدين، ونذكر هنا مَشاهد نزول شخصيات الآلهة من السماء عن طريق أدوات قد تبدو معقدة ولكنها كانت تفي بالغرض الدرامي، وهذه الأدوات كانت مشدودة إلى حبال رفيعة تهبط بشخصيات الآلهة عند اللزوم وترتفع بها عندما ينتهي دورها، كما استخدم المسرح الإغريقي لوحات سوداء مثلثة الشكل لتصوير مَشاهد البرق والرعد حيث كانوا يستخدمون جراراً مملوءة بالحجارة تتدحرج منها أوعية من النحاس لإظهار الصوت المطلوب، وقد ساعد على نجاح هذه الاستخدامات أن منصات المسارح الإغريقية كانت مفتوحة، ومن ثم تنوعت إمكانات الاستفادة من الفضاء المسرحي إلى أقصى حد، وفي مراحل تالية من تاريخ تطور المسرح تمت الاستفادة من التيار الكهربائي في إضاءة المكان وتحديد زمن الحدث حيث أصبحت صالات المسارح مغلقة من دون أن يكون هناك مشكلة في موضوع الإضاءة، واليوم تشهد صالات المسارح في العالم ثورات حقيقية في استخدام التطور التكنولوجي في الأعمال المسرحية، ولكن ما يؤخذ على هذه الاستخدامات أحياناً أنها أخذت تحتل مكان العنصر الدرامي في العرض المسرحي لتجعله عنصراً ثانوياً لحساب البهرجة الشكلانية المعتمدة على تطور التقنيات المستخدمة في العروض المسرحية، وهنا ينبغي على المسرحيين أن يكونوا أكثر وعياً وألا يسمحوا لهذه التقنيات بالاستحواذ على مجمل العرض المسرحي، بل تكون هذه التقنيات في خدمة الرؤية الفكرية والفنية للنص وللإخراج ومن ثم خدمة الممثل في أداء دوره بشكل انسيابي ومن دون وجود عناصر منافسة تسرق منه الانتباه وتجعله عنصراً ثانوياً في المشهدية المسرحية.
أما عن دور المسرح فيما يشهده مجتمعنا من تغيرات وتبدلات فقال: لا أجد له دوراً اليوم إلا في أضيق الحدود، ولكي نحدد دوره الحقيقي لا بد أولاً من أن نحيط بأعداد المشاهدين الذين يحضرون الأعمال المسرحية وبنوعية هؤلاء المشاهدين، إذا أردنا لمسرحنا اليوم أن يكون مؤثراً وفعالاً علينا أن ننتقل به إلى كل مكان يمكن الوصول إليه لأن الجمهور المستهدف بعملية التغيير لا يوجد عادةً في أماكن التجمعات السكنية الكبرى كالعواصم والمدن الرئيسية، بل في التجمعات الصغرى والنائية حيث يعشش الجهل وتزدهر الأمية.. هناك في هذه الأماكن ينبغي للمسرح أن يكون موجوداً وأن يقود عملية نهضة اجتماعية قد تكون مطلوبة اليوم أكثر من أي يوم مضى.
وعن دور المسرح فيما نعيشه من تفكك للقيم والمبادئ التي تربينا عليها وعشناها منذ الأزل قال: لنتفق أولاً على أنه ليس كل ما عشنا عليه من (قيم) و(مبادئ) هي أمور صحيحة وسليمة أخلاقياً واجتماعياً، فكثير مما تربينا عليه أثبتت الأيام خطأه، بل ودوره في تفتيت المجتمع بشكل بطيء ولكنه منتظم ومبرمج. المسرح اليوم يقوم بدور جمالي وتزييني في حياتنا الاجتماعية والثقافية، والسبب في ذلك أن مسرحيينا ابتعدوا إلى حد ما عن الذائقة الجمالية والحاجات الفكرية لمشاهدينا واتجهوا نحو أعمال مسرحية تلبي حاجات هؤلاء المسرحيين الفنية بعيداً عن المتلقي بمعناه الواسع، لذلك نبدو اليوم بعيدين تماماً – كمسرحيين- عن القيام بواجبنا تجاه مجتمعنا وما يمكن أن نقوم به من دور ترميمي للنفوس والقلوب.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock