قضايا وآراء

استثمار فاجعة عبارة جزيرة «أم الربيعين» بإثارة الفتن

| أحمد ضيف اللـه

كشفت فاجعة غرق عبارة «جزيرة أم الربيعين السياحية» في محافظة نينوى العراقية في الـ21 من آذار الماضي مدى الفساد والجشع والاستهتار بأرواح المواطنين الذين قضوا غرقاً في غمرة سعادتهم واحتفالهم بعيد الربيع «نوروز»، كارثة أحدثت حزناً عميقاً لدى كل العراقيين، وألماً واحتقاناً اجتماعياً من الصعب وصفه، ضدّ السلطتين، المحلية والمركزية، لبشاعتها.
لقد تسبب غرق العبّارة المخصصة لنقل الزائرين مسافة 70 متراً من إحدى ضفاف نهر دجلة إلى ضفة مدخل الجزيرة التي تضم مناطق ترفيهية وألعاباً ومساحات خضراء، في وفاة نحو 100 وفقدان العشرات أغلبيتهم من النساء والأطفال، حيث يجري التداول أن العبارة مخصصة لنقل نحو 50 شخصاً، غير أن القائمين عليها، وضعوا أكثر من 200 شخص فيها، الأمر الذي أدى إلى انقطاع أحد الأسلاك المخصصة لجرها من ضفة إلى أخرى، ما أدى إلى انقلابها رأساً على عقب، وغرقها، ما شكل صدمة وغضباً رسمياً وشعبياً في محافظة نينوى وكافة المحافظات العراقية، وسط موجة من الاحتجاجات والاعتصامات وإقامة العزاء في معظم المدن العراقية مطالبين بمحاسبة المقصرين بحادث غرق العبارة وإحالتهم على القضاء، مستنكرين حالة الفساد المستشرية في العراق.
لقد أجادت القوى السياسية «السنيّة» المتصارعة في محافظة نينوى استثمار حادث غرق عبارة «جزيرة أم الربيعين السياحية» المأسوي، رافعين شعار «مواجهة الفساد ومحاربته» رغم أنها جزء منه، وهو شعار بات جاهزاً للاستخدام عند كل خصومة، ونجح الخصوم في الإطاحة بمحافظ نينوى نوفل العاكوب، حيث وظفت الحادثة لخدمة مساعيهم، وهو ما اضطر بالمقابل الجهات المؤيدة للمحافظ المُقال أن تتراجع عن دعمه أمام ضغط الشارع وهول الكارثة لامتصاص حالة الغضب المتنامي بين أوساط المواطنين، سواء في محافظة نينوى أو بقية المحافظات العراقية، والقبول بإقالته، خاصة بعد أن وجدت نفسها متهمة هي أيضاً، واضطرارها للدفاع عن نفسها.
وتشهد محافظة نينوى منذ سنين عدة صراعاً سياسياً بين قواه «السنيّة» الطامعة بالمناصب ومكاسبها، وبقرار الإمساك بالمحافظة، أمنياً وسياسياً، وبالتالي كانت إقالة محافظ نينوى خاتمة لمحطات الصراع في المحافظة بين شخصياتها، حيث سبق أن نجا نوفل العاكوب، الذي تسلم منصبه قبل 4 سنوات، من 3 محاولات لإقالته، منها إقالته غيابياً من مجلس محافظة نينوى في الأول من تشرين الثاني 2017 بتهمة «هدر المال العام» التي تمكن من إبطالها بعد شهر بقرار قضائي اعتبر الإجراء «غير قانوني» لأن الجلسة عقدت خارج مدينة الموصل، وبعد عودته لمنصبه قام بتحريك قضايا بحق 4 أعضاء في مجلس المحافظة، بتهمة الإرهاب، متقرباً بذلك من بعض فصائل الحشد الشعبي، ورغم أنه كان في كل مرة يحسن اختيار الجهة التي تساعده في العودة، لكن هذه المرة تخلى الجميع عنه.
ينتمي العاكوب إلى كتلة النهضة التي لها 22 عضواً في مجلس محافظة نينوى من أصل 39 عدد أعضاء المجلس، إلا أن نحو 14 عضواً من كتلته انقلبوا عليه، وأعلنوا دعمهم لأطراف أخرى بالمجلس تسعى لإقالته قبل حادثة العبارة.
لجنة نيابية شُكلت في الـ20 من كانون الأول 2018 برئاسة النائب أسامة النجيفي وعضوية 43 نائباً، 34 منهم من محافظة نينوى، لتقصي الحقائق حول الأحداث الأمنية والاقتصادية والخدمية والإنسانية في محافظة نينوى، وقدمت تقريرها الذي تضمن 30 فقرة إلى المجلس النيابي قبل حادثة غرق العبارة في الـ14 من آذار الماضي مُوقعاً من 36 نائباً من أعضاء اللجنة، ولم تكن تأمل من تقريرها إقالة محافظ نينوى نوفل العاكوب، بقدر ما كانت تسعى إلى تقييد حركته ومحاصرته، و«اتخاذ الإجراءات القانونية لمنعه من السفر ولحين الانتهاء من التحقيقات بشأن التهم والخروقات المسندة له»، لكشفها بحسب زعمها «ملفات خطيرة للغاية تتعلق بالخروقات والمخالفات المالية غير المسبوقة»، التي رد عليها المحافظ المُقال في مؤتمر صحفي في الـ19 من الشهر ذاته، بالقول: إن «لجنة تقصي الحقائق بشأن نينوى حاولت بكل الطرق تضليل العدالة ورئيس الوزراء والبرلمان من خلال أمور ليس لها أي مبرر ولا يوجد لها أي واقع من الصحة»، وبأن «هذه اللجنة اجتزأت ما يخدمها في سبيل تهييج الرأي العام ضد المحافظ وحكومة نينوى المحلية»، مبدياً «استعداده للمثول أمام القضاء العراقي إذا كان لدي فساد»، موضحاً «لدي أخطاء إدارية ولكن لمقتضيات المصلحة العامة، أما هدر بالمال العام وأعمال وهمية للمنظمات أو اختلاس فأنا المسؤول أمام كل العراقيين وأمام نينوى، وسأكون مجرماً بسقوط نينوى أيضاً».
إلا أن اللجنة وبعد حادثة العبارة والتصويت على إقالة نوفل العاكوب من منصبه في المجلس النيابي في الـ24 من آذار الماضي، صعدت من حدة خطابها بشكل غير مسبوق وخلطت جملة من الأوراق، متهمة بعض فصائل الحشد الشعبي الشيعية التي ترى أنها وافدة من خارج المدينة، وعلى وجه الخصوص «عصائب أهل الحق» بالسيطرة على مقدرات المدينة عسكرياً عبر وجود عناصرها، واقتصادياً من خلال مكاتبها الاقتصادية، مطالبة بخروج فصائل الحشد الشعبي خارج مدينة الموصل، ملمحة إلى أن إدارة المدينة الفعلية بيد قوى الحشد الشعبي، مشيرة إلى أن «لجنة تقصي الحقائق لم تتطرق إلى جميع القضايا ومنها قضايا الحشود التي بحاجة إلى توسيع وقرارات حاسمة»، بحسب ما جاء في المؤتمر الصحفي الذي عقده النائب أسامة النجيفي رئيس لجنة تقصي الحقائق عُقب اتخاذ قرار الإقالة.
إن الإدعاء بأن فصائل الحشد الشعبي موجودة ضمن مدينة الموصل غير صحيح، إذ سبق أن أعادت انتشارها خارج مدينة الموصل تنفيذاً لقرار نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي بـ«إخلاء مدينة الموصل من أي قوات تابعة لهيئة الحشد الشعبي» في الـ2 من آب 2018، على الرغم من خروج الآلاف من الموصليين بتظاهرات أمام مبنى محافظتهم في الـ14 من الشهر ذاته لمنع تنفيذ هذا القرار، وتموضع الحشد الشعبي خارج المدينة في منطقة سنجار وسهل نينوى منذ ذاك التاريخ، حتى أن ذات الأبواق المهرجة ادعت أن انسحاب قوات الحشد الشعبي من المنطقة جاء نتيجة مطالبات وضغوط من الأهالي المتذمرين من تجاوزات وممارسات عناصر الحشد.
إن من يتواجد داخل مدينة الموصل بعض الفصائل المحلية العائدة للحشد المسيحي بقيادة ريان الكلداني، وحشد عشيرة الحديديين بقيادة الشيخ أحمد الورشان، وحشد فرسان الجبور، و«الحشد المدني» الذي تدرب على يد القوات التركية في معسكر «بعشيقة» القريب من الموصل بقيادة أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق وهو أخو رئيس لجنة تقصي الحقائق الذي أُقيل من منصبه في الـ28 من أيار 2015، والذي صدر حكم بمنعه من السفر وحبسه 3 سنوات في الـ21 من كانون الثاني 2018، وحكم آخر باعتقاله صادر من محكمة هيئة النزاهة في الـ10 من أيار 2018 «لتجاوزه صلاحيَّاته الوظيفيَّة».
أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق والهارب إلى خارج العراق، قال في تصريح لصحيفة «القدس العربي» في الـ30 من آذار الماضي: إن «هناك جهات مدعومة من إيران تحاول تصوير ما يجري باعتباره صراعاً كبيراً، لأنها تهتم أن تكون هناك شخصية قريبة منها، أو محسوبة عليها، في هذا المنصب في مرحلة ما بعد إقالة العاكوب الذي هي من جاءت به، لكنه خذلها بفساده الفاضح»، وإن «الجهات المدعومة من إيران هي اليوم بحاجة إلى شخصية ثانية تسير على منهج وسياسة المحافظ المقال نفسه، لكن أقل فساداً منه».
إن تعمد بعض الجهات السياسية في محافظة نينوى وبعض نوابها بتصوير الأوضاع في المحافظة على غير حقيقتها هو من أجل السيطرة على منصب المحافظ وبعض الإدارات الأخرى، مصدرين خطاباً طائفياً مقيتاً ومستغرباً مشابهاً للخطابات التي كانوا يسوقونها قُبيل سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل، على حين تَعمد صحف ومواقع إلكترونية وفضائيات ممولة خليجياً إلى استغلال مُعيب لأوجاع الموصليين وآلامهم، مُبرزة تصريحات لصوص هاربين وشخصيات مشبوهة على أنها حقائق، من دون أي استحياء أو احترام لأرواح من استشهدوا في كارثة العبارة. وهو ما دفع قائد عمليات نينوى اللواء نجم الجبوري، وعضو خلية الأزمة لمعالجة الأوضاع في محافظة نينوى خلال حفل تأبيني لضحايا العبارة في الموصل، للقول: «لا أخفي عليكم أن هناك من يريد أن يرقص على جراحنا ويستثمر هذه الكارثة من أجل مآرب دنيئة دنيوية خبيثة».
إن عودة المحافظة مجدداً إلى أجواء الصراعات والمناكفات السياسية مُغلفة بإطار طائفي تحريضي، يهدد حقيقة بعودة «جديدة لداعش»، وبإعادة فتح ملف سقوط الموصل بيد تنظيم داعش في حزيران 2014، لكشف الجهات والشخصيات السياسية المتنفذة من داخل سلطة المحافظة التي كانت سبباً رئيسياً في سقوط الموصل وتعاونها مع تنظيم داعش والمجموعات الإرهابية الأخرى في حينها.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock