قضايا وآراء

ليبيا.. إذا حمي صفيحها

| عبد المنعم علي عيسى

لعل صورة الابتسامة التي لم تفارق ثغر المبعوث الأممي لحل الأزمة الليبية غسان سلامة وهو يحضر اجتماعات القمة العربية الأخيرة في تونس كإيحاء أراد منه إفهام الحاضرين بأن خيط الأزمة قد بات «مربوطاً بكفه»، تلك الصورة هي خير دليل على أن الأخير لم ينجح في اختبار تحديد الفارق بين الصورتين، صورة ما فوق الطاولة وما تحتها، ولا هو نجح في أتون لقاءاته التي كان يجربها مع أفرقاء الصراع الداخليين والخارجيين في تحديد المعلن والمستور، فقد بات من المؤكد أن رياح مؤتمر «غدامس» التي كان يعمل على تحريكها والتي غيرت مسارها الآن بالتأكيد، كانت في مقابلها رياح أخرى تعمل على اجتزائها أو إلغائها تماماً.
بات اليوم من المؤكد أن الزيارة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برفقة ولي عهد أبو ظبي إلى قاعدة محمد نجيب العسكرية في الثامن والعشرين من آذار الماضي، كانت تعني اللحظة ما قبل الأخيرة التي سبقت إعطاء شارة الـok لعملية «الفتح المبين» التي أطلقها اللواء خليفة حفتر في تسجيل صوتي يوم الرابع من نيسان الجاري، ومن الممكن أيضاً القول إن ذلك حدث في ظل تململ فرنسي، وكذا إيطالي، تجاه حال «الستاتيكو» الليبي القائم منذ أربع سنوات، فباريس الداعمة لحفتر لم تخف ذلك الدعم وقد سبق لها أن أعلنت في تموز الماضي عن مقتل ثلاثة جنود لها شرقي ليبيا في تحطم لمروحية كانت تقدم دعماً لوجستياً لهذا الأخير، وفي مطلق الأحوال فإنها لم تتأخر، هي ونظيرات أوروبية لها أربع، في إعلان موافقتها على «الفتح المبين» عبر البيان الأوروبي الخماسي الصادر بعد ساعات من إعلان انطلاقتها، الذي أشار صراحة إلى ضرورة إنهاء حال «ازدواجية السلطة» القائم.
من الراجح أن دواعي استعادة الصفيح الليبي لسخونته في هذه الآونة ناجم بالدرجة الأولى عن سياسات ما انفكت تراكمها حكومة فايز السراج، وهي في نكهتها الأهم تشي بإنعاش حال الفوضى التي من خلالها يمكن تكريس انفصال الشرق الليبي عن غربه واقعاً، وذاك ما يمكن تلمسه في العديد من محطاتها لكن الأبرز منها كان في إصرارها على مد وزارتها المتتابع بكوادر معروفة بانتماءاتها المتشددة، كوسيلة لتوظيف الدين في السياسة وكذا إرضاء لإملاءات خارجية، هذا المعطى أضحت له حساباته المختلفة بعد تمدد الشررين الجزائري والسوداني في المحيط، وهو ما يفسر الصمت الأميركي الذي عبر عنه قرار قيادة القوات الأميركية في إفريقيا «افريكوم» بإعلان انسحاب قواتها من قاعدة جنزور غرب طرابلس بعد ثلاثة أيام على بدء العمليات، كما ويفسر الدعم الروسي لها الذي ترصده التقارير التي أشارت إلى زيارة حفتر «متخفياً» إلى موسكو يوم 11 من نيسان الجاري.
بعد مرور أسبوعين على حماوة الصفيح الليبي يشير سير العمليات المتضارب من حيث النتائج وفقاً لتصريحات الطرفين إلى أرجحية ملحوظة لقوات حفتر التي استطاعت السيطرة على مطار طرابلس في أقل من أسبوع على الرغم من أنها كانت على بعد يزيد على 100 كم عنه عندما انطلقت المعركة، وربما يمكن القول الآن إن طول المعركة أو قصرها سوف يحدده البعد القبلي لها، أي مشاركة القبائل وفي أي معسكر سوف تتراصف، على حين إن حيادها، أي حياد القبائل، سوف يؤدي إلى زيادة تأثير البعد الخارجي الذي ستصبح له اليد الطولى آنذاك.
كان سقوط نظام العقيد معمر القذافي بداية لمسار ولم يكن نهاية له، وفي هذا السياق يمكن العودة بالذاكرة إلى حالة التهليل والفرح التي قابلت بها قوى وتيارات ونخب عربية ذلك الحدث الذي وصفته بـ«سقوط عصر الديكتاتوريات»، لم يكن يراود الأذهان في تلك اللحظة سؤال مهم: ثم ماذا بعد؟ فهذا الأخير متروك للتجارب، ولما يمكن أن يؤدي به تلاطم الأمواج في دفع المركب، وهذه الاحتفالية ظهرت في محافل عدة تكررت، وسبقت، ذلك المحفل وإن كانت جميعها قد سجلت غياب جائزة الأوسكار السورية التي بقيت عصية أو لا مستحق لها، إلا أن النتيجة الأولى والمباشرة لكل تلك الاحتفاليات كانت تتمثل في إنتاج أنظمة هي أكثر تبعية للخارج، بما لا يقاس، عن تلك التي سبقتها، وذاك بالتأكيد حالة متراجعة في سياق سعي المنطقة الحثيث الرامي إلى تحقيق استقلالها وسيادتها، انطلاقاً من أن التناقض الأساس الحاكم لهذين الفعلين الأخيرين يكمن في قدرتها على التصدي للهجمة الغربية الشرسة التي تتعرض لها، والتي ما انفكت تبتكر السبل والأساليب لإعادة الوضع الذي كانت عليه المنطقة في النصف الأول من القرن العشرين.
ظهرت في الأيام الأولى لبدء الهجوم على طرابلس تصدعات مهمة ذات دلالات في معسكر السراج كان أبرزها بيان استقالة نائب السراج، علي القطراني، بعد خمسة أيام والذي قال فيه: «إن السراج الذي تحركه الميليشيات لن يقود ليبيا إلا إلى مزيد من المعاناة»، في الوقت الذي كان قد سبقه إلى ذلك عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني قبل أيام، هذه التصدعات مؤشر مهم على استقراء لدى هؤلاء مفاده فقدان حكومة السراج لأهميتها الوظيفية في هذه المرحلة، وبمعنى آخر أنها باتت بيدقاً هو أول من ستتم التضحية به على مذبح غلبة مصالح طرف لمصلحة طرف آخر.
من شأن فعل من هذا النوع بات مرجحاً أن يكون كما الدبوس لبالون قطر المنفوخ الذي ما انفك يحاول شراء مساحات واسعة في سموات بعيدة كما لو أن ذلك أمر يقع في صلب أمنه القومي كدولة مترامية الأطراف، أما بالنسبة للأتراك فالكيل سيكون أكبر بكثير، وفي ظل تلاطم الأمواج التي تهدد مظلات الشاطئ التركي فإن انهيار حكومة السراج في طرابلس التي باتت تمثل اللبنة الأخيرة في تمددات الخارج اليوم سيكون مؤشراً إلى سيناريوهات محتملة قد يشهدها قصر التلال الخمس نفسه في أنقرة، ومشهد كهذا سبق أن حدث عندما شكل سقوط حكومة الملك فيصل الثاني، شديدة الالتصاق بتركيا في بغداد تموز من العام 1958، نذيراً بحدوث شبيه له لم يتأخر في أنقرة التي شهدت سقوط حكومة عدنان مندريس خريف العام 1961.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock