ثقافة وفن

عبد الله الخاني عمل وإيمان وحب

| إسماعيل مروة

يبدو أنني كنت بحاجة لشخصية من نوع مختلف، لشخصية لا تعرف التذبذب والتقلب، تقوم حياتها على مبدأ واحد يتطور ولكنه لا يتبدل، وكانت هذه الشخصية هي شخصية الأستاذ عبد الله الخاني، الدبلوماسي، والأمين، والوزير، وعضو محكمة العدل الدولية.. ولم أسع يوماً لاقتحام عالم أحد، ولكن المصادفات هي التي تقود الحياة، والاجتهاد والإخلاص هو الذي عرّفني عن قرب بشخصيات لم يستطع الكثيرون لقاءها، وأضيف إلى ذلك تلك العلاقة الوطيدة والثقة التي كانت لرئيس تحرير جريدة «الوطن» الأستاذ وضاح عبد ربه، فهذه الثقة هي التي جعلتني محط احترام الشاعر السوري الكبير أدونيس، ليخصّ «الوطن»، وبالتالي يخصني بحديث فريد في الإعلام السوري.. ومن ثم كانت محطة مهمة في حياتي عندما استدعاني السيد رئيس التحرير ليسألني عن الأستاذ عبد الله الخاني، فأخبرته أنني أعرف أنه كان لصيق الرئيس شكري القوتلي، وألّف حوله كتاباً نشره بعنوان: «جهاد شكري القوتلي» وعندما وصلني هذا الكتاب قدمت فيه عرضاً، وبعد أيام تصلني رسالة شكر مهذبة وأنيقة من الأستاذ الخاني، فأخبرني أننا على موعد معه صباح اليوم لزيارته.. وحين التقيناه بدأت فاتحة جديدة في حياتي، استمر اللقاء قرابة الساعة، ثم تتالت لقاءات العمل بينه وبيني لساعات طويلة، استطعت وسمح لي، أن أغوص في ذاكرته وحياته وعمله، فبكى مرات عديدة، وسعد في لحظات قليلة، وبخبث إعلامي وأدبي صرت أسأل عمّا أجهله بمواربة حتى وصلت إلى ما أريد، أو إلى جزء صغير مما أريد، فانفتح أمامي منجم من الإيمان والحب والوطنية، والكفاح والعلم والصدق، ومن دون دراية عزز الأستاذ الخاني لدي قناعات بأن الصواب أجدى، وبأن الدقة حياة، وأذكر أن زياراتي كانت في موعد محدد، فعاتبني أول مرة، ورجا عدم التكرار لأن ذلك يزعجه ويدفعه للاعتذار، فقرعت الجرس قبل خمس دقائق من الموعد فاستقبلني بتأفف، ولم يكن منشرحاً كما العادة، وأخبرني بأنه تعلم من تجهيز الموكب الرئاسي أن الثانية مهمة في الدقة، فصرت أصل قبل الوقت، وأمشي على الرصيف بعض الوقت حتى يحين الموعد بالثانية فأقرع الجرس، وعندما التقيته أرى بشاشته.
في حديثنا الطويل الممتد الذي نشر في «الوطن» على خمس حلقات كل حلقة صفحة كاملة اكتشفت قيمة ما منحني السيد رئيس التحرير، فأنا أمام أمين في الرئاسة من عهد الرئيس الأول شكري القوتلي إلى أن صار وزيراً للسياحة، بعد الحركة التصحيحية، ومن ثم أمام موفد وحامل للرسائل من الرئاسة في أمور خطيرة، وأمام دبلوماسي تنقل في سفارات العالم فخبرها وترك فيها أثراً، وتركت لديه ذكريات لم تبعده عن الشام وأمام خبير قانوني، ومجيد للغات ما أهّله أن يكون عضواً منتخباً في محكمة العدل الدولية، شارك في حل نزاعات كثيرة في مختلف أصقاع العالم، ومن ثم كان خبيراً في الجانب القانوني لتطبيق السلام في يوغوسلافيا السابقة.. وهو اليوم قارئ قانع بما هو فيه، يستقبل أحبابه وزوّاره، ويمارس حياته من دون أي تغيير منذ بدأ حياته العملية والوظيفية.. هذه الجلسات جعلت عبد الله بك الخاني يعاملني معاملة الأب، وفي كل مرة كان يقدم لي النصيحة من دون أن ينصح، وسعدت حين عملت على تبادل الزيارات بينه وبين وزير السياحة السابق الصديق بشر اليازجي، وبينه وبين سماحة المفتي العام للجمهورية العربية السورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون، وقد تعلمت منه لباقة لم أشهدها في سواه، فقد زار «الوطن» ليشكر الأستاذ وضاح عبد ربه على زيارته، وزار سماحة المفتي العام في بيته ليشكره على زيارته، وزار وزارة السياحة ليشكر الوزير على زيارته، فأي نوع من الذوق يملك؟
وفي حبه وقفت عند شخصيتين، أولاهما قد يراها المتابع من باب واجبه تجاه رئيس عمل معه وقرّبه هو الرئيس شكري القوتلي، وثانيتهما وفاؤه لأصدقائه، ولا يمكن أن ينسى الإنسان متابعته لتكريم هؤلاء الأصدقاء، وفي مقدمتهم صديقه الشاعر الراحل الدكتور عمر النص، وعلى الرغم من المرض والتقدم في السنّ تابع لإنجاز تكريمه، وكتب عنه رأياً غاية في الأهمية والقيمة.
إن عبد الله الخاني رجل عجن من حب وتواضع والتزام، مزج هذا الحب برأفة للإنسان قلّ أن نجد شبيهاً لها في زماننا، لا يمنعه من ممارسة حياته وواجباته تعب أو وهن أو زمنه، بالأمس زرته لآخذ منه الورقة التي كتبها في صديقه عمر النص، وعندما قلت له: عسى أن تكتب بي شهادة، فابتسم بأبوية وقال لي: بل أنت من سيكتب عني، كلها أيام، ولا أحب أن يدعى لي بطول العمر، فقد تعبت، ولا أعارض مشيئة الله وأدعو بالرحيل.. وتابع كما لو أنه يبوح لذاته، عشت عمراً طويلاً، وأكرمني الله كثيراً، لو شكرت كل وقتي ما وفيته، ولو قضيت عمري مصلياً ساجداً ما قدمت واجب الشكر، أنا من الناس الذين لا علاقة لهم بالمال، وغالباً ما يتحول الذهب بيدي إلى تراب، ومع ذلك فقد أكرمني الله بحياة مستقيمة، وبعلم ومواقع ومناصب، وبأهم ما أحب وهو التجوال، وما من بلد في العالم كله لم أزره وأطّلع عليه في أدق تفاصيله، وزياراتي كلها كانت ذات مكانة لأنني أزورها بمهام ومسؤوليات، ولو أردت إحصاء هذا التجوال فإن تكاليفه ستكون بالمليارات، ولو كان التراب يتحول بين يدي إلى ذهب لانشغلت به، وما زرت العالم، ولو فعلت فإنها لن تكفي.. وختم أدعو الله في سجودي بحسن الختام.. فقد رأيت من الدنيا كل ما أريد، وحقق لي الله ما أريده من رسالتي، هكذا يعيش عبد الله بك الخاني حياته يزينها الحب لأسرته وابنتيه وأحفاده، ولأصدقائه وذكريات من رحل منهم، لا يدّخر جهداً في السؤال عن أحدهم إن أصيب بنوبة رشح، ويسأله عن طبيبه، وقد يرشده إلى طبيب سمع عن خبرته، وقد حدث ذلك معي مرات عديدة..
أما الجوانب الأخرى التي يقوم بها أو يشارك فيها مع السيدة الفاضلة زوجته من أجل المجتمع والطفولة، فهي جوانب قد لا يرغب الدخول فيها، وأنا لا أعرف التفاصيل، وإن كنت قد رأيت جوانب منها.
أستاذنا الفاضل وقامتنا الوطنية عبد الله الخاني شاهد على زمن مضى، ومؤرخ لزمن قادم، ورمز لنبل الإنسان السوري.. وأنت الذي قلت لي في حوارك:
أحب التجوال، زرت مدن العالم كلها، وسعادتي غامرة أن أحط الرحال في دمشق التي لم أر مدينة في العالم بجمالها.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock